د.إدريس لكريني في حوار مع جريدة الصحراء الأسبوعية:
هناك جهات تسعى إلى تحريض البوليساريو من أجل رفض أي مقترح مغربي

أجرى الحوار هشام المدراوي
منشور في جريدة الصحراء الأسبوعية في عددها 45 بتاريخ 21-27 شتنبر 2009
http://assahrae-alousbouiya.com/
ـ عرفت القضية الوطنية جملة من التطورات كان أخرها مبادرة الحكم الذاتي التي أشهرها المغرب في وجه خصوم وحدتنا الترابية، كيف تنظرون إلى هذه المبادرة؟
تعكس هذه المبادرة وجود إرادة قوية لإخراج القضية من مأزقها وركودها الحاليين بعد استحالة تنظيم الاستفتاء، وقد بعث المغرب من خلالها بإشارات إيجابية للطرف الآخر وللأمم المتحدة وللقوى الدولية بجدية جهوده لإيجاد تسوية ملائمة وواقعية للقضية.
فالمشروع يحاول التوفيق بين طرح الانفصال والاستقلال من جهة ومطلب فرض السيادة الكاملة والاندماج من جهة أخرى، ويؤكد في مضامينه على أهمية التفاوض الجدي باتجاه حسم القضايا الخلافية؛ لبلورة حل يحظى بنوع من الواقعية والتوافق بين الطرفين؛ ولذلك فهو لم يتحدث بتفصيل عن محددات الحكم الذاتي؛ بقدر ما حدد توجهاته العامة.
ولذلك فهو يشكل مدخلا ملائما لحل عادل كفيل بإغلاق هذا الملف الذي عمر طويلا، وبخاصة وأنه سيمكن السكان في الأقاليم الجنوبية من تدبير مختلف شؤونهم المحلية. وأعتقد أن الحكم الذاتي يمكن أن يشكل امتدادا لتقرير المصير الذي ينادي به الطرف الآخر؛ إذا ما مورس في إطار ديموقراطي وضمن اختصاصات حيوية وهامة.. تنسجم مع واقع الحال الذي تشكل في المنطقة على امتداد أكثر من ثلاثة عقود..
ومعلوم أن الحكم الذاتي هو وسيلة تستمد مقوماتها من القانون الدستوري للدول، اعتمدتها العديد من الدول البسيطة منها كفرنسا وإسبانيا أو المركبة كبريطانيا وألمانيا.. كسبيل لتدبير بعض الاختلافات العرقية أو الثقافية داخل بعض الأقاليم، عبر منحها استقلالا لممارسة مجموعة من الصلاحيات في إطار لا مركزية سياسية؛ تحت إشراف السلطة المركزية.
ـ ما السبيل في نظركم إلى إنجاحها؟
كما ذكرت؛ فالمشروع يتضمن أرضية هامة وبناءة تسمح ببلورة حل عادل؛ فهو يوفر للساكنة مجموعة من الصلاحيات الهامة، وأعتقد أن عدم تحمس الخصوم لهذا المقترح ينم عن الجهل بمضامينه.
لقد شكلت جولات المفاوضات التي انطلقت منذ مدة بين الأطراف مناسبة لطرح هذا هذا المقترح بالصورة التي أربكت حسابات البوليساريو؛ وبخاصة بعد الترحيب والاستحسان اللذين لقياهما المقترح من قبل مجموعة من دول العالم؛ بما فيها القوى الدولية الكبرى كالولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا.. وهو استحسان يترجم الشعور بواقعية وموضوعية هذه المبادرة؛ بعدما أصبح المجتمع الدولي أكثر وعيا واقتناعا بأهمية وضرورة حسم هذا المشكل الذي أضحى من بين أقدم النزاعات التي خلفتها مرحلة الحرب الباردة، وكلف شعوب المنطقة والمنتظم الدولي الكثير..
كما أن مجلس الأمن في قراراته الأخيرة المرتبطة بالقضية؛ بدأ يستوعب مدى جدية وأهمية الاقتراح المغربي، فتأكيده على أهميته يجد أساسه في التجاوب الدولي مع المبادرة والاقتناع الدولي المتزايد بعدم واقعية تطبيق خيار الاستقلال بالصيغة التي تطرحها البوليساريو والجزائر..
ومن هذا المنطلق؛ ينبغي على المغرب بذل المزيد من الجهود باتجاه الترويج لهذه المبادرة على نطاق دولي واسع؛ وفتح المجال أمام مختلف القنوات الموازية للانخراط في هذا الترويج الذي يفترض أن تشارك فيه إلى جانب القنوات الدبلوماسية الرئيسية فعاليات أخرى من برلمان(دبلوماسية برلمانية)؛ مجتمع مدني؛ نخب سياسية؛ نخب اقتصادية؛ باحثون؛ أحزاب؛ إعلام..) لأن تزايد رد الفعل الإيجابي نحوها واستيعاب نجاعتها؛ سيزيد من إرباك الخصوم وإحراجهم دوليا.
ـ لقيت مبادرة الحكم الذاتي التي أطلقها المغرب ترحيبا دوليا كبيرا كيف تقرأون هذا الأمر؟
بالفعل؛ عبرت مجموعة من القوى الدولية الكبرى كالولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا.. عن ترحيبها بالقرار واستحسانها لمضامينه؛ كما أن مجلس الأمن في قراراته الصادرة بعد طرح المبادرة أشاد غير ما مرة بهذه المبادرة واعترف بجديتها؛ حيث وصف الجهود المغربية في هذا الشأن ب"الجدية والمصداقية والرامية إلى المضي قدما بالعملية صوب التسوية"؛ كما أضحى في قراراته الأخيرة يستعمل تعابير جديدة تعكس اقتناعه بعدم واقعية الطرح الانفصالي؛ من خلال الدعوة إلى المفاوضات لبلورة حل متوافق عليه؛ بل إن المبعوث الأممي السابق إلى الصحراء الذي تابع تطورات الملف ووقف على خلفياته لأكثر من ثلاث سنوات؛ عبر عن عدم واقعية خيار الاستقلال..
إن تزايد الترحيب بمبادرة الحكم الذاتي يعتبر مؤشرا على اقتناع جزء كبير من المجتمع الدولي بوجود رغبة وإرادة جديتين من المغرب باتجاه إيجاد حل بناء للقضية؛ ويجسد الإيمان بأهمية وواقعية هذا المقترح.
ـ كيف يمكن للمغرب أن يستثمر هذا الترحيب الدولي سعيا وراء حل نهائي للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية؟
المغرب مطالب باستثمار هذا الترحيب؛ لحصد مزيد من التأييد، وبخاصة وأن هناك مجموعة من الدول في مناطق مختلفة كأمريكا اللاتينية وإفريقيا لازالت مقتنعة بطروحات البوليساريو في صيغتها التقليدية المرتبطة بتقرير المصير والانفصال؛ ولذلك ينبغي السعي باتجاه تعزيز الحضور الدبلوماسي في هذه المناطق بشكل يتجاوز الزيارات المحدودة ولقاءات المجاملة إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والثقافية.. بما يوفر أرضية ملائمة لتوضيح وجهات نظر المغرب إزاء القضية وطرح المقترح على أنظارها.. وفتح المجال لقنوات المجتمع المدني ودعمها لتلعب دورا في هذا الشأن.
وأعتقد أن تزايد ردود الفعل الإيجابية على نطاق دولي واسع إزاء المشروع واستيعاب نجاعة مقترحاته؛ ستدفع حتما بمجلس الأمن إلى إيصاء الأطراف باعتمادها وتبنيها باعتبارها لقيت قبولا ورضا من المجتمع الدولي.
ـ ما تقيمكم لدور الدبلوماسية المغربية على المستوى الخارجي سعيا وراء كسب تأييد دولي لمقترح الحكم الذاتي؟
من المعلوم أن تدبير القضية تميز لسنوات طويلة بالانفراد والانغلاق؛ مما كان له انعكاسات سلبية على مسار القضية داخليا وخارجيا؛ قبل أن تبدأ ملامح الانفتاح المحسوب في العقد الأخير على بعض الفاعلين كالبرلمان رغم ضيق الهامش القانوني الذي يؤطر مشاركته في صناعة القرار الخارجي للمغرب؛ والحكومة التي بدت حاضرة أيضا في المفاوضات الأخيرة؛ والمجتمع المدني الذي أسهم بتحركاته محليا ودوليا في تفنيد طروحات الخصوم والترويج لمواقف المغرب؛ ومختلف الباحثين الذين أغنوا النقاش بصدد مشروع الحكم الذاتي..
وإذا كان البعض قد اعتبر ذلك مؤشرا يعكس الرغبة في توزيع مسؤوليات المأزق الذي وصلت إليه القضية؛ فإن هذا الانفتاح أملاه أيضا الوعي بأهمية المقاربة الديموقراطية والتشاركية وبالقيمة المضافة التي سيضفيها ذلك على تعزيز وتمتين مواقف المغرب بصدد القضية.
كما أن حضور المجلس الاستشاري الملكي لشؤون الصحراء ضمن الوفد المغربي المشارك في مختلف المفاوضات مع البوليساريو؛يعد أمرا مهما؛ ذلك أنه أكد للجبهة وللجزائر وللعالم بأن البوليساريو لا يشكل الممثل الوحيد لكل الصحراويين، وبخاصة وأن المجلس يضم في تشكيلته مختلف التنظيمات والأطياف القبلية والسياسية.. الصحراوية من مقاومين وأعضاء جيش التحرير وأعضاء منظمات وأحزاب محلية تاريخية وممثلي هيئات المجتمع المدني وأعضاء سابقين في قيادة البوليساريو وشيوخ القبائل ومنتخبين في البرلمان والمجالس المحلية والإقليمية..
ويمكن القول إن هذا الانفتاح أسهم بصورة ملحوظة في تحقيق مجموعة من المكتسبات للقضية.
ـ في حالة ما إذا تمسك الأطراف الأخرى المعنية بالنزاع برفضها لمبادرة الحكم الذاتي، هل سيعمل المغرب عن البحث عن صيغ أخرى لحل هذا النزاع؟
أعتقد أن هناك ثلاث سيناريوهات كبرى تبدو مطروحة في الأفق؛ فهناك إمكانية بلورة حل تفاوضي يحظى برضى الطرفين؛ في إطار أرضية مشروع الحكم الذاتي.
أما السيناريو الثاني؛ وفي حالة إصرار الجزائر والبوليساريو على مواقفهما؛ فهو بقاء الأمور على حالها؛ غير أن هذه الوضعية ينبغي أن لا تمنع المغرب من السير قدما في تطبيق مشروعه المرتبط بالحكم الذاتي؛ ضمن مقاربة ديموقراطية تسمح بإشراك فعال للسكان في تدبير مختلف شؤونهم؛ وببلورة تنمية حقيقية بالمنطقة تركز على الإنسان باعتباره وسيلة وهدفا.
وهناك سينا
المزيد