مركز الجزيرة للدراسات ينشر دراسة جديدة ل.ذ.لكريني حول النخب السياسية العربية

أغسطس 30th, 2009 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , جديد الباحث, دراسات منشورة للباحث

النخب السياسية العربية.. شرعنة الأوضاع أم انتصار للتغيير؟

يرى الباحث إدريس لكريني أن النخب عندما تتحمل مسؤوليتها؛ تسهم بشكل كبير في تطور مجتمعاتها، فقد برزت في الماضي نخب عربية وإسلامية أثرت الحضارة الإنسانية بمواقفها وأفكارها وأسهمت بشكل ملحوظ في تحديث وتطوير مجتمعاتها. ومن تم فسكوت النخب وعدم فضحها ونقدها لهذه الأوضاع، يعد في حد ذاته ظلما للشعوب وتواطؤا مع الأنظمة وتشجيعا لها من أجل التمادي في تسلطها

المزيد


تطور عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام

يوليو 13th, 2009 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , دراسات منشورة للباحث

تطور عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام

 

 

  د.إدريس لكريني- أستاذ بكلية الحقوق بمراكش 

عشية تأسيس منظمة الأمم المتحدة سنة 1945، لم تكن شعوب العالم قد ضمدت جراحها التي خلفتها الحرب العالمية الثانية بعد، ولذلك كان الأمل المعلق على هذه الهيئة كبيرا نحو القضاء على كل ما من شأنه تعكير صفو العلاقات الدولية والإساءة للأمم والشعوب، من خلال الاستفادة من أخطاء الماضي وخاصة هفوات عصبة الأمم التي شكلت انطلاقة الشرارة الأولى للحرب العالمية الثانية بمثابة إعلان رسمي لوفاتها.

وإذا كانت الأمم المتحدة قد حاولت جاهدة منذ تأسيسها، التركيز على جانب المحافظة على السلم والأمن الدوليين كأسمى وأهم أهدافها، فإنها اصطدمت في سبيل تحقيق ذلك با

المزيد


دراسة جديدة للأستاذ إدريس لكريني حول البحث العلمي والتنمية

يونيو 7th, 2009 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , جديد الباحث, دراسات منشورة للباحث, غير مصنف

نشر الموقع الإلكتروني لمركز أسبار للدراسات والبحوث والإعلام بالمملكة العربية السعودية دراسة للأستاذ إدريس لكريني ضمن قضية الشهر/ يونيو 2009

تحت عنوان:

البحث العلمي ورهانات التنمية في الأقطار العربية

المزيد


دراسة جديدة ل ذ.إدريس لكريني بمجلة السياسة الدولية

أبريل 5th, 2009 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , جديد الباحث, دراسات منشورة للباحث

جديد الباحث بمجلة السياسة الدولية

نشرت مجلة السياسة الدولية التي يصدرها مركز الأهرام بمصر؛ في عددها الأخير رقم 176 لشهر أبريل 2009 دراسة للأستاذ إدريس لكريني تحت عنوان:

المحكمة الجنائية الدولية.. الرهان والمعوقات

********

ملخص الدراسة

المحكمة الجنائية الدولية .. الرهانات والمعوقات

د. إدريس لكريني

عرفت العدالة الجنائية الدولية تطورا ملحوظا, والممارسة الدولية منذ مطلع القرن العشرين حافلة بحالات من المحاكمات الدولية التي طالت أفرادا أمام هيئات قضائية خاصة. ففي عام 1945, تشكلت محكمة ‘نورمبرج’ بموجب اتفاقية موقعة في لندن بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي, اختصت بالنظر في الجرائم المرتكبة ضد السلم والإنسانية التي ارتكبها الألمان خلال الحرب العالمية الثانية.
كما أنشئت في السياق نفسه المحكمة العسكرية الدولية للشرق الأقصي في طوكيو سنة 1946 , التي اختصت بمتابعة مجرمي الحرب اليابانيين بسبب ارتكاب الجرائم نفسها. هذا بالإضافة إلي المحكمة الجنائية ليوغوسلافيا السابقة لسنة 1993, والمحكمة الجنائية لرواندا لسنة 1994, اللتين أحدثتا بموجب قرارين صادرين عن مجلس الأمن.
وقد تميز القضاء الجنائي الدولي خلال هذه المحاكمات بالانتقائية, نظرا لارتباطه بحالات بعينها, حيث ظلت حالات عديدة أخري أكثر إلحاحا وضرورة علي الهامش وبمنأي عن أي اهتمام ومتابعة, مما جعل المتورطين فيها بعيدين عن أي متابعة قضائية محلية أو دولية, كما هو الشأن بالنسبة لجرائم ارتكبت في كل من فلسطين والشيشان والعراق. كما تميز أيضا بخضوعه لإرادة القوي الدولية الكبري, حيث ظلت أحكامه مرهونة بالإرادة السياسية لهذه القوي وتقلب مصالحها بالشكل ال

المزيد


دراسة جديدة للأستاذ إدريس لكريني في كتاب المسبار الشهري

فبراير 17th, 2009 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , دراسات منشورة للباحث, متابعات

المصدر: المستقبل - الثلاثاء 17 شباط 2009 - العدد 3222 - ثقافة و فنون - صفحة 18

http://www.almustaqbal.com/stories.aspx?StoryID=332632

أصدر مركز “المسبار للدراسات والأبحاث” بدبي كتابه السادس والعشرين بعنوان “القاعدة ـ التمدد”، وهو الإصدار الثاني في سلسلة دراسات حول تنظيم القاعدة، حيث كان الإصدار الأول في ديسمبر (كانون الأول) 2008 بعنوان القاعدة ـ التشكل، والذي تناول البدايات التنظيمية للقاعدة، وتحولاتها العديدة.
ومما لا شك فيه أن ثمة تحليلات عديدة حول شكل القاعدة وتطوراتها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، منها أن القاعدة بعد هذه الأحداث تحولت من تنظيم إلى حالة قابلة للتقصي والتمثل من قبل تنظيمات فرعية وقطرية أخرى، خصوصاً في عملياتها وقدراتها التفجيرية، وهو ما تجلى مثلاً في تفجيرات مومباي الأخيرة بالهند في نوفمبر (تشرين الثاني) 2008 أو تفجيرات سيناء في مصر في يوليو (تموز) سنة 2005، حيث لم تثبت التحقيقات وجود اتصال فعلي مع القاعدة، ولكن كان ملحوظاً وجود تمثل لعملياتها وتقنياتها من قبل المجموعات المسلحة الأخرى.
كذلك هناك من يرى أن هناك مدخلاً تحليلياً آخر يرى أن القاعدة بعد أزمتها التي تلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر قد تحولت من العالمية إلى الإقليمية، وهو ما تمثل في ظهور فروع لها في عدد من بؤر الصراع أو “مناطق التوحش” حسب تعبير أحد منظريها أبي بكر ناجي ـ صاحب “إدارة التوحش” ـ، فظهر تنظيم القاعدة في السعودية سنة 2003 ثم انضم لها في 2004 أبو مصعب الزرقاوي وتنظيمه في العراق، ممثلاً لما بات يعرف بتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، وفي عام 2007، انضمت لها الجماعة السلفية للدعوة والقتال التي تسمت مع تنظيمات جهادية أخرى بالقاعدة في المغرب العربي، وتواتر الانتساب للقاعدة فظهرت تسميات كتنظيم القاعدة في جنوب الجزيرة (اليمن) وظهر ما يعرف بتنظيم القاعدة في أرض الكنانة… وغيرها.
كل هذه التسميات دلالات على ما ندعوه التمدد، سواء كان تحول القاعدة من تنظيم إلى حالة أو تحولها من العالمية إلى الإقليمية والقطرية، وقد حرصنا في دراسات هذا الكتاب أن تأتي كاشفة عن الوجه الأعمق لهذا التمدد، الذي قد يخفي أزمة التنظيم الأم اللوجيستية والفكرية.
كان انضمام الزرقاوي للقاعدة هو الحدث الأبرز في تمدد القاعدة، وكان الأكثر زخماً إعلامياً حتى وفاته عام 2006 من هنا تأتي دراسة مروان شحاده: “الزرقاوي واستراتيجية القاعدة في العراق” والتي ينطلق فيها الكاتب من فرضية مبدئية وهي أن سوء التخطيط لعمليات ما بعد الحرب على العراق في العام 2003، شكلت إخفاقاً كبيراً وخطأ استراتيجياً أدى إلى تفاقم المشكلات في هذا البلد، ووفر مناخاً مناسباً لبروز تنظيم الزرقاوي الذي عرف فيما بعد بتنظيم “قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين”.
ثم تأتي دراسة الدكتور إدريس لكريني “القاعدة في المغرب العربي.. الصعود والأزمة” والتي يتتبع فيها مسار وتطور القاعدة في المغرب العربي منذ يناير (كانون الثاني) 2007، حين أعلنت “الجماعة السلفية للدعوة والقتال” في الجزائر عن تغيير اسمها إلى “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” بعد مشاورات مع زعيم القاعدة في هذا الشأن، حتى الآن، وهي دراسة تكشف عن تمدد القاعدة وعن أزمة تنظيماتها القطرية في الآن نفسه.
ويتناول الدكتور سمير غطاس في دراسته “القاعدة في فلسطين وإسرائيل” تأثيرات القاعدة وكيف استفادت إسرائيل من وجودها وتهديدها الخطابي لها دون أي تهديدات عملية حقيقية، كما يرصد صعود وارتباط عدد من التنظيمات الفرعية بها.
ثم يقرأ الكاتب المغربي منتصر حمادة الجدل الفكري مع القاعدة واستراتيج

المزيد


دراسة جديدة حول: إشكالية العزوف السياسي في المغرب

فبراير 14th, 2009 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , جديد الباحث, دراسات منشورة للباحث

نشرت مجلة الديموقراطية التي يصدرها مركز الأهرام بمصر؛ في عددها 33 لشهر يناير 2009 دراسة مشتركة للأستاذة فاطمة غلمان والأستاذ إدريس لكريني؛ تحت عنوان

المزيد


مساهمة بحثية للأستاذ ادريس لكريني في مجلة الدراسات الاستراتيجية

أكتوبر 20th, 2008 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , إعلانات, جديد الباحث, دراسات منشورة للباحث

مركز البحرين للدراسات والبحوث يصدر عددا جديدا من مجلة الدراسات الاستراتيجية

122448

 أصدر مركز البحرين للدراسات والبحوث عدداً جديداً من مجلة الدراسات الاستراتيجية. يحتوي العدد على مجموعة من الدراسات والتحليلات وعروض الكتب إضافة إلى عدد من الوثائق والمستندات. ويضم قسم الدراسات بالمجلة دراسة حول المخاطر الدولية الجديدة ومستقبل السلم والأمن الدوليين للدكتور إدريس لكريني، ودراسة تطبيقية على كيفية تعظيم استفادة مملكة البحرين من اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأمريكية للدكتور هشام حنضل عبدالباقي، ودراسة حول موقع بحر قزوين والخليج العربي في إمدادات الطاقة للدكتور أروى ياسين.

 ويشتمل قسم التحليلات السياسية بالمجلة موضوعا عن بحر قزوين في السياسة الدولية للدكتور فصيح بدر خان، وموضوع آخر عن الحوار الثقافي العربي الأوروبي للسيد عبدالنبي العكري، ودور المجتمع الصناعي العسكري في السياسة الخارجية الأمريكية للكاتب رضي السماك.

 وفي القسم المخصص لعروض الكتب، يتناول الدكتور محمد نعمان جلال كتاب عميد النهضة: خليفة بن سلمان. ويتناول الدكتور أحمد يوسف القرعي كتاب تقاطعات العنف والإرهاب في زمن العولمة. وأخيراً تستعرض الباحثة ميساء خليل الذوادي كتاب الديمقراطية وحوار الثقافات.

 ويحتوي القسم الانجليزي من المجلة مواضيع حول ملامح سوق تقنيات الطاقة الشمسية الحرارية في دول جنوب البحر المتوسط للدكتور ابراهيم عبدالجليل، والدور الأوروبي في الخليج للبروفيسور روبرتو البوني، وموضوعان للدكتور محمد نعمان جلال حول مستقبل البشرية، ونظرة جديدة على غاندي.

 ويضم قسم الوثائق بالمجلة نص البيان الختامي للقمة العربية مارس 2008، وعرض الحوافز الدولية المقدمة من القوى الكبرى لإيران، والتوصية بإنشاء جائزة ومركز الملك عبدالله الدولي للتواصل والحوار الحضاري.

 يذكر إن مجلة الدراسات الاستراتيجية هي مجلة فصلية علمية محكمة تصدر عن مركز البحرين للدراسات والبحوث يرأس تحريرها

المزيد


الإسلام والغرب ومعيقات الحوار

يوليو 23rd, 2008 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , دراسات منشورة للباحث

الإسلام والغرب ومعيقات الحوار

د.إدريس لكريني

أجمعت جل النقاشات التي جرت داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ سنة 1998 إلى حدود سنة 2001 بصدد الحضارات الإنسانية, على إيجابية التنوع الثقافي كعامل محوري في إغناء تطور وتقدم الإنسانية, وضرورة تفعيل الحوار بين مختلف هذه الحضارات, حيث شكل الأمين العام الأممي لجنة تمكنت من إنجاز وثيقة في الموضوع قدمت للجمعية العامة التي أقرتها بدورها بالإجماع، وكانت هذه الأخيرة قد تبنت قرارا لها رقم 22 في دورتها رقم 53 بتاريخ 4 نونبر 1998 تضمن إعلان سنة 2001 سنة للحوار والتعايش بين الحضارات، وقد اعتبرت معظم القوى الدولية والشعوب المحبة للسلام والتسامح هذا الإعلان بمثابة رد عملي صارم من جانب المجتمع الدولي على كل الخطابات التي تدعي وتشجع وتتبنى الصراع والصدام بين مختلف الحضارات الإنسانية.

غير أنه وفي الوقت الذي كانت الجهود الدولية والإقليمية تجري فيه على قدم وساق نحو تعزيز الحوار بين الحضارات المحلية والإقليمية والدولية، وخلق جو مناسب لذلك، أعادت أحداث نيويورك وواشنطن بتاريخ 11 شتنبر 2001 “نظرية” “هانتنغتون” المرتبطة بصدام الحضارات بقوة إلى الواجهة، حيث تداولها العديد من الدارسين والإعلاميين والسياسيين والعامة أيضا في الغرب، واعتبرها البعض منهم “نظرية” توقعية وصائبة،

أولا: موقع الإسلام ضمن “نظرية” صدام الحضارات

ظهرت “نظرية” صدام الحضارات لأول مرة في مقالة للباحث الأمريكي “صامويل هانتينغتون” ضمن عدد لمجلة الشؤون الخارجية صيف سنة 1993، قبل أن يطورها في شكل كتاب صدر له سنة 1996، وقد حاول من خلالها تحديد ملامح الصراع الدولي القائم بعد نهاية الحرب الباردة، ففي هذه “النظرية” يرى الباحث أن الصراعات الدولية في عالم ما بعد الحرب الباردة ستكون صراعات بين الأمم والمجموعات الثقافية والحضارية المختلفة لا بين الدول، وهو بذلك يؤكد على العنصر الثقافي كمحور أساسي للانقسامات بين الشعوب، خصوصا مع تنامي بروز الهوية الثقافية أمام ما يشهده العالم من تحديث وتنمية اقتصادية.

وقد حدد الباحث بعض العناصر التي اعتبرها أساسية ومحورية في تحديد المجال الثقافي أو الحضاري كالدين والموروث التاريخي المشترك والامتداد الجغرافي…

فمحور “النظرية” إذن هو أن الصراعات الدولية ستنتقل من طابعها الإيديولوجي والاقتصادي الذي ساد في فترة الحرب الباردة إلى صراعات محورها الثقافات والحضارات، وهو على عكس “فوكوياما” الذي تحدث عن “نهاية التاريخ” وانتصار الغرب الرأسمالي أمام المعسكر الشرقي الاشتراكي المنهار، اعتبر أن الخطر لا زال يتهدد هذا الغرب، وأن الصراعات ستشتد من جديد خاصة على المستوى الثقافي والذي يعد أحد أخطر أسباب ومظاهر الصراعات الدولية، وأن هذه الصراعات ستجري بين المجال الحضاري الغربي وبين بقية المجالات الحضارية الأخرى (الكونفشيوسية، البوذية، الإسلام…) ولم يستبعد إمكانية إقدام هذه الحضارات على تشكيل تحالفات لمواجهة الغرب.

 وبخصوص مكانة الإسلام ضمن هذه “النظرية”، “فهانتنغتون” يرى أن “التكتل الحضاري الإسلامي” قد يواجه التكتلات الحضارية المجاورة له (المسيحية الغربية، الكتلة السلافية المسيحية الأرثذوكسية، الكتلة الإفريقية والكتلة الهندوسية)، وفي سبيل تبرير وتأكيد هذا الطرح الأخير يتقدم الباحث بمجموعة من “الحجج”، فهو يذكر أن الكتلة الإسلامية مشتتة ولا تمتلك مركزا قويا مؤثرا وقادرا على التحكم في ضبط القوى الإسلامية الداخلة في صراعات مع حضارات أخرى (الشيشان، البوسنة، كشمير، فلسطين…) والغريب في الأمر أن هذه الحجة التي تطرح في الواقع مظاهر ضعف الدول الإسلامية وعدم قدرتها الحالية على تحدي الغرب، تتناقض ومقولته هاته التي تقر بخطورة الإسلام على باقي الحضارات.

والجدير بالذكر أن “هانتنغتون” عند حديثه عن “الخطر الإسلامي”   لا يحذر الغرب فقط من “الحركات الإسلامية المتطرفة”، بل يتحدث أيضا عن “خطر” الدين الإسلامي نفسه.

ويضيف بأن هناك حالات عديدة من العنف تورط فيها المسلمون في العالم على امتداد التاريخ البشري القديم والحديث، أكثر من أية حضارة أخرى، بالشكل الذي يزعم معه بأن الإسلام دين مواجهة وحروب، و هو لا يميز في ذلك بين الحالات التي كان خلالها المسلمون مظلومين أو جناة.

ولاحظ أيضا أن التطور الحضاري للكونفشيوسية والبوذية يسير في اتجاه متسارع نحو الحوار والتعايش والتنافس الودي مع الغرب عبر تحقيقه لإنجازات اقتصادية وسياسية هامة، في حين تتجه معظم القوى والحركات الإسلامية نحو المزيد من الانطواء على الذات ومواجهة الحضارة الغربية وتحديها، بالشكل الذي يجعله يقر في الأخير بأن الصدام بين الإسلام والغرب حتمي الحدوث. ويضيف أنه أمام هذا الوضع يتعين تدعيم التعاون والوحدة بين أبناء الحضارة الواحدة؛ وخصوصا بين أوربا والولايات المتحدة الأمريكية وتخفيف حدة التناقضات فيما بينها لمواجهة هذه المخاطر المقبلة.

ويضفي طابعا مسبقا من.

وإذا كان الدين يعد أحد أهم مقومات الحضارة إلى جانب عناصر أخرى (القيم المشتركة، سبل التفكير…)، فالملاحظ هو نسبية مقولة “هانتغتون” التي تزعم بنوع من الإطلاقية أن لكل حضارة دينها الخاص بها وتضفي طابع الانسجام على أي من هذه الحضارات، فليس بالضرورة أن يكون لكل حضارة محددة دين معين، فداخل الهند – مثلا- تتعايش العديد من الديانات، وفي أوربا ذاتها كما في الولايات المتحدة الأمريكية لم يعد الدين أحد المقومات الرئيسية للحضارة الغربية “الرائدة”، فهي تضم بداخلها تعددا دينيا ولا دينيا. والحضارة الواحدة – الحضارة الإسلامية على سبيل المثال - قد تضم أعراقا مختلفة ومتباينة، كما أن أبناء الحضارة الواحدة يمكن أن تلحقهم تمايزات ثقافية مهمة أحيانا.

ومن جانب آخر، تظل هذه النظرية نسبية في مجملها، فالحضارات الإنسانية نفسها شهدت بداخلها توترات وحروبا دامية، فالحضارة الغربية مثلا عرفت حربين مدمرتين في القرن الماضي، كما أن الحضارات البشرية على اختلافها شهدت تاريخيا علاقات صراع وحوار ومنافسة وتعايش…

وعموما تعددت وتباينت ردود الباحثين العرب والمسلمين والغربيين أيضا على هذه “النظرية”، فهناك من شكك في مصداقيتها بناء على أن العالم يشهد حاليا صراعات تنطوي على خلفيات وأبعاد سياسية واقتصادية واضحة المعالم أيضا بين مختلف الدول، في حين لاحظ البعض أن هناك صدامات خطيرة تجري داخل المجال الحضاري الواحد وليس بين حضارات مختلفة، بينما اعتبر آخرون أن تصور “هانتينغتون” للحضارات والثقافات سطحي للغاية، فيما أشار أحدهم أن الغرب بإصراره على الصدام يتطلب المواجهة.

وبالرجوع إلى موقع الإسلام ضمن تصور “هانتينغتون” لصدام الحضارات، أكد العديد من الباحثين العرب والمسلمين على الطبيعة التواصلية والحوارية للإسلام وحضارته من جهة، فيما أكد بعضهم على الصفة “العدوانية” التي طبعت الحضارة الغربية سواء في مرحلتها المسيحية أو العلمانية من جهة أخرى.

ويبدو مما سبق أن هذه “النظرية” وخاصة في تهويلها ومبالغتها في تصوير الحضارة الإسلامية كحضارة خطيرة وعدوانية، تنم عن تشبع صاحبها بالأفكار التي حملتها بعض الدراسات الاستشراقية المغرضة؛ التي ربطت بمواقفها الاستعلائية والاحتقارية تجاه العرب والمسلمين، الحضارة الإسلامية بالقتل والعنف والتخلف…

والواضح أن “نظرية” “هانتنغتون” استفزازية للغاية وتنم عن خلفيات سياسية أكثر منها معرفية أكاديمية وعلمية، وتحمل في طياتها خلفيات عدائية للثقافات والحضارات الأخرى، ذلك أنها تنحو إلى التعبئة والتصعيد وشحن العداء إزاء مختلف الحضارات الكبرى في العالم.

ولعل هذا ما يدفع

المزيد


التحول السياسي للبحرين في ظل نظام الملكية الدستورية 2/2

مارس 1st, 2008 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , دراسات منشورة للباحث

نشرت في مجلة التاريخ العربي، جمعية المؤرخين المغاربة، العدد 42؛ خريف 2007

التحول السياسي للبحرين في ظل نظام الملكية الدستورية

د.إدريس لكريني- أستاذ باحث؛ كلية الحقوق، مراكش 

منذ أواخر التسعينيات من القرن المنصرم؛ وبينما كانت مختلف بلدان العالم في أوربا الشرقية وأمريكا اللاتينية وإفريقيا.. تشهد تحولات سياسية واقتصادية.. متسارعة في عالم متغير ملؤه التحديات والمخاطر؛ أطلق النظام السياسي في دولة البحرين مجموعة من المبادرات السياسية؛ التي كانت تجسد انفتاحا للقيادة الجديدة؛ وتنبئ بتحول سياسي وبإصلاحات ديموقراطية في الأفق.

فقد تميزت هذه الفترة باتخاذ العديد من الخطوات التي هدفت في مجملها إلى إنهاء الأزمة التي كانت قائمة بين النظام الحاكم والمعارضة، وكان من مظاهرها الإفراج عن المعتقلين السياسيين، والسماح بعودة المبعدين والمنفيين إلى البلاد، وتعيين عدد من المستشارين في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، إضافة إلى تغيير بعض رموز أجهزة الأمن ممن كانت تتهمهم دوائر المعارضة البحرينية بممارسة أعمال قمع ضد المواطنين؛ وإلغاء حالة الطوارئ المفروضة، وسمح أيضا بتنظيم الاعتصامات والمظاهرات؛ بعد أن تم إلغاء محاكم وقانون أمن الدولة وإصدار الميثاق الوطني، الذي تم الاستفتاء عليه في فبراير 2001..، وهو ما انعكس بشكل إيجابي ملحوظ على مختلف المجالات والقطاعات داخل الدولة والمجتمع.

رابعا- توسيع هامش الحقوق والحريات

على امتداد سنوات عدة؛ قادت فعاليات من المجتمع المدني في البحرين حملات تطالب فيها بتعزيز الإصلاحات السياسية وإجراء الانتخابات وتوسيع هامش الحقوق والحريات.

وضمن تفاعل إيجابي مع بعض هذه المطالب؛ تم إدخال تعديلات على قانون الجمعيات بموجب المرسوم رقم 21 الصادر سنة 1989، والمرسوم رقم 1 الصادر سنة 1990 والمرتبط باللوائح الداخلية للجمعيات وعلاقتها بالدولة ومختلف أعمالها التي تتعلق بجمع التبرعات.

 وفي شهر مايو من سنة 2001 أكد الأمير على وضع إطار قانوني للنقابات العمالية المستقلة بمساعدة اللجنة العامة لعمال البحرين، وتم في صيف 2001 تأسيس "اتحاد نساء البحرين" و "جمعية البحرين النسائية"؛ كما تحدث تقرير لوزير العمل والشؤون الاجتماعية عن تأسيس 65 جمعية أهلية جديدة خلال سنة 2002، بما فيها 11 جمعية سياسية(12) و13 جمعية للمهن الحرة.

وبذلك أصبحت الدولة تكفل حق تأسيس النقابات والجمعيات الأهلية والعلمية والثقافية والمهنية على أسس وطنية ولأغراض مشروعة وبالوسائل السلمية وفقا للشروط والأوضاع التي ينص عليها القانون(13).

واستجابة لمطالب المعارضة؛ وتعبيرا منها عن حسن نيتها وجدية توجهاتها الإصلاحية؛ قامت السلطات الحكومية البحرينية في فبراير 2001 بإلغاء قانون ومحكمة أمن الدولة، وسمح بتنظيم الاعتصامات والمظاهرات.. كما أصدر العفو في حق المعتقلين السياسيين؛ وسمح بالعودة للمبعدين والمنفيين في الخارج إلى أرض الوطن، فيما نشطت الندوات واللقاءات السياسية بشكل ملحوظ..

كما قامت الحكومة بإحداث لجنة لحقوق الإنسان ضمن مجلس الشورى سنة 1999؛ وهو ما لقي ترحيبا من لدن مجموعة من المنظمات الدولية الحقوقية غير الحكومية كمنظمة "مراقبة حقوق الإنسان".

وأسهم صدور الميثاق الوطني بشكل ملموس في توسيع هامش الحقوق والحريات؛ وجاء الدستور المعدل ليؤكد على منع القبض على أي إنسان أو توقيفه أو حبسه أو تفتيشه أو تحديد إقامته أو تقييد حريته في الإقامة أو التنقل إلا وفق أحكام القانون وبرقابة من القضاء، وليكفل الحق في التعبير والاعتقاد.

 ففي الباب الثالث "الحقوق والواجبات العامة"؛ نصت المادة 22 على أن: "حرية الضمير مطلقة، وتكفل الدولة حرمة دور العبادة وحرية القيام بشعائر الأديان والمواكب والاجتماعات الدينية طبقا للعادات المرعية في البلد".

أما المادة 23 فأكدت على أن: "حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة، ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرهما.."؛ فيما كفلت المادة 24 حرية الصحافة طبقا لأحكام القانون.

ورغبة في تحقيق المساواة بين المتمتعين بالجنسية البحرنية، سواء كان ذلك بصفة أصلية أو عن طريق التجنس، نصت المادة 17 من الدستور في فقرتها الأولى على أن: "الجنسية البحرينية يحددها القانون، ولا يجوز إسقاطها عمن يتمتع بها إلا في حالة الخيانة العظمى والأحوال الأخرى التي يحددها القانون..".

وبعدما كان حق الاقتراع منحصرا على فئة الذكور الذين تجاوزوا الثامنة عشر من أعمارهم؛ تميز الاستفتاء على الميثاق الوطني سنة 2001 بمشاركة المواطنين البحرينيين، نساء ورجالا، ممن تجاوزوا سن الواحد والعشرين من أعمارهم.

وضمن نفس الإطار؛ تبين أن هناك تعامل ومقاربة جديدة لبعض الملفات المعقدة كما هو الشأن بالنسبة لموضوع السنة والشيعة؛ حيث سجل نوع من التراجع عن مظاهر الفصل والتمييز بين هاذين المكونين الاجتماعيين(14) ضمن مجموعة من التدابير والإجراءات التي توخت توسيع مجال الحقوق والحريات(15) وهو ما سمح بفتح حوار إيجابي بين السنة والشيعة.

وعلى الرغم من هذه الإصلاحات التي لا تخلو من إرادة وجدية؛ سجلت بعض التقارير وجود مجموعة من التضييقات والمحاكمات في حق عدد من الصحفيين وإغلاق عدد من المواقع الإلكترونية بسبب نشرها لقضايا فساد أو لمواضيع لا تروق للسلطة..؛ كما وجهت العديد من الانتقادات لمرسوم قانون رقم 47 الذي صدر سنة 2002 بشأن تنظيم الصحافة والطباعة والنشر، وبخاصة إزاء البنود التي تفرض عقوبات قاسية ومشددة على الصحفيين، حيث اعتبر أنه لا ينسجم مع جو الانفتاح الذي شهدته البلاد.

وضمن نفس السياق؛ اعتبر البعض أن هناك تراجعا متواصلا في هامش الحريات الذي انطلق عام 2001، وذلك بالنظر إلى القرارات التعسفية من قبل السلطة بمنع الإضراب في غالبية المرافق، ومنع العاملين في القطاع الحكومي من تشكيل نقابات، وعدم السماح للمهنيين بالتحول إلى نقابات محامين أو أطباء أو مهندسين؛ واستمرار وضعيتهم كجمعيات يحكمها قانون الجمعيات الأهلية الذي لا يسمح لمثلها بالتطرق إلى القضايا السياسية.. ومواجهة أجهزة الأمن كافة التحركات الاحتجاجية بشكل عنيف..(16)

ومن جهة أخرى؛ وبحسب تقرير أعده مركز البحرين لحقوق الإنسان؛ فقد ترتب عن الزيادة الكبيرة في أعداد المجنسين آثار اقتصادية تمثلت في تفاقم البطالة والفقر ومشكلة السكن، وتأثير ذلك على حقوق المرأة والطفل والفئات الضعيفة، كما أن لعملية "التجنيس الاستثنائي" واستخدام "المجنسين" في أجهزة الأمن وحصولهم على الامتيازات، آثار نفسية واجتماعية متمثلة في ضرب النسيج الاجتماعي وإثارة التنازع العرقي والطائفي وكراهية الأجانب، فبالرغم من أن الدوافع وراء التمييز سياسية؛ إلا أنها تأخذ شكلا طائفيا وعرقيا.

 ويضيف التقرير بأن هذه الظاهرة قد تساهم بآثارها الاقتصادية والاجتماعية، في المزيد من الإضرار بالثقة بين السلطة والمواطنين، وتزايد حالة الاستياء العام، مما ينذر بعودة التأزم السياسي والأمني(17).

 خامسا- مبادرات لتأهيل المرأة

من المؤكد أن النهوض بأوضاع المرأة هو مدخل مهم لمعالجة مختلف الإشكالات والمعضلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتفشية داخل المجتمعات.. وهو ما تنبهت له العديد من المنظمات الدولية التي تعتبر أن ممارسة التمييز ضد المرأة يعد مؤشرا على تخلف الدول.

استفادت المرأة البحرينية من هامش الانفتاح والإصلاح التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة؛ حيت تمكنت من ولوج مجموعة من المهن والقطاعات الحيوية بالبلاد؛ فشغلت مناصب حيوية: وزيرة، رئيسة الجامعة، سفيرة.. وهو ما سيؤهلها للمشاركة في الحياة السياسية والمساهمة في صناعة القرارات وتدبير الشأن العام.

ولقد كانت البحرين سباقة إلى الاهتمام بشؤون المرأة في منطقة الخليج؛ حيث كتب لها التمتع بحق التعليم في مرحلة تاريخية مبكرة، وبخاصة وأن أول مدرسة للفتيات أحدثت في البحرين سنة 1928.

وفي عام 1951 كان للمرأة البحرينية نصيب من المشاركة في انتخابات المجلس البلدي، وخلال سنة 1955 تم الإعلان عن أول جمعية نسائية في الخليج العربي، وهي جمعية نهضة فتاة البحرين تلتها جمعية رعاية الأمومة والطفولة في العام 1960، قبل أن تظهر جمعية أوال النسائية والرفاع الثقافية الخيرية سنة 1970، ثم جمعية النساء الدولية سنة 1974.. وقد اقتصر العمل النسائي في بدايته، خاصة في فترة الخمسينيات والستينيات على العمل الخيري.. مما جعل المرأة البحرينية بعيدة عن المشاركة السياسية الفاعلة(18).

وفي 22 من شهر غشت/أغسطس لعام 2001 تعززت وضعية النساء البحرينيات بإصدار أمر أميري يقضي بإحداث المجلس الأعلى للمرأة الذي عهد إليه بالمساهمة في اقتراح السياسة العامة المتعلقة بتنمية وتطوير شؤون المرأة وإشراكها في الحياة العامة؛ وصياغة مشروع وطني كفيل بنهوضها؛ ومراجعة التشريعات والنصوص القانونية الخاصة بها لمواجهة كل المعيقات والمشاكل التي تعترض نهوضها؛ ثم المساهمة في تكوينها وتأهيلها وتوعيتها بمختلف حقوقها.. 

وقد كانت المرأة حاضرة أيضا داخل تشكيلة اللجنة الوطنية العليا التي كلفت بتحضير مشروع ميثاق العمل الوطني؛ حيث مثلت بست نساء من ضمن بين 46 عضوا في هذه اللجنة التي عكست مختلف الأطياف والقطاعات الاجتماعية والاقتصادية والإعلامية..

وجاء ميثاق العمل الوطني في بنوده الخاصة بالمرأة ليقر بأهميتها في تنمية المجتمع من خلال عدد من بنوده؛ ويؤكد على حقها المشروع في ممارسة الحقوق السياسية والمشاركة في الشؤون العامة، وهو ما عززه الدستور المعدل؛ عندما نص في مادته الأولى(الفقرة هـ) على أن: "للمواطنين، رجالا ونساء، حق المشاركة في الشئون العامة والتمتع بالحقوق السياسية، بما فيها حق الانتخاب والترشيح..".

بينما أشارت الفقرة الثانية من المادة الخامسة منه على أنه: "تكفل الدولة التوفيق بين واجبات المرأة نحو الأسرة وعملها في المجتمع، ومساواتها بالرجال في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية".

وقد سمحت هذه المقتضيات القانونية وما رافقها من ظروف سياسية منفتحة بإنشاء مجموعة من الجمعيات النسائية الجديدة؛ حيث شهدت سنة 2001 ظهور أربع جمعيات نسائية من بينها: اتحاد نساء البحرين، جمعية البحرين النسائية..

وبتاريخ 13 فبراير 2002 أقر المجلس الوزاري في جلسة استثنائية مشروع قانون الانتخابات سمح فيه للنساء بالتصويت والترشيح؛ وهو ما مكن


المزيد


النخبة السياسية العربية وقضايا الإصلاح

يناير 31st, 2008 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , دراسات منشورة للباحث

نشرت هذه الدراسة في مجلة الديموقراطية، مؤسسة الأهرام بمصر، العدد 25 يناير 2007

النخبة السياسية العربية وقضايا الإصلاح

 

 د.إدريس لكريني-أستاذ جامعي، كلية الحقوق، مراكش)

 مقدمة

تنطوي دراسة النخبة في أي مجتمع على أهمية كبرى باعتبارها تسهم بشكل كبير في فهم وتفسير السلطة السياسية داخل الدولة، فداخل أي مجتمع نجد هناك فئة محدودة حاكمة؛ تحتكر أهم المراكز الاقتصادية والاجتماعية والسياسية..؛ وتلعب أدوارا طلائعية داخل النسق السياسي وتملك سلطات على مستوى اتخاذ القرارات أو التأثير في صياغتها في أقل الأحوال، وأخرى واسعة محكومة ولا تملك نفس الإمكانيات فيما يخص صناعة هذه القرارات.

وهكذا توجد في كل مجتمع من المجتمعات نخبة أتيحت لها إمكانية الاضطلاع بأدوار رئيسية ومهمة في مختلف المجالات.

ويطرح موضوع النخبة صعوبات مفاهيمية جمة؛ نظرا لتعدد الرؤى والمقاربات في هذا الشأن؛ وقد تناوله بالدراسة بعض الفلاسفة منذ آلاف السنين، فأفلاطون سبق وأن تحدث عن طبقة الحكماء.. كما استعملت كلمة "النخبة" في القرن السابع عشر لوصف سلع ذات تفوق معين، وامتد استعمالها فيما بعد ليشمل الإشارة إلى فئات اجتماعية متفوقة؛ كالوحدات العسكرية الخاصة أو الطبقات العليا من النبلاء(1).

وقد اكتسى مصطلح النخبة أهمية بالغة في بداية القرن المنصرم مع ظهور نظريات مرتبطة بهذا الشأن، قادها بعض الباحثين أمثال: باريتو وموسكا.. وقد تباينت الاصطلاحات التي ترمز إلى هذه الفئة ما بين الطليعة، الصفوة، السراة، الملأ..

أولا: مقاربة المفهوم

كان للباحثين الإيطاليين موسكا  MOSKAوباريتو  PARETO الأثر الكبير في ذيوع هذا المفهوم؛ من خلال دراساتهم الاجتماعية في بداية القرن العشرين، فقد أكدا معا على أن المجتمعات تنقسم عادة إلى طبقتين أو جماعتين: الأولى حاكمة؛ والثانية محكومة، وإذا كان موسكا قد فضل استعمال مصطلح الطبقة السياسية ليعبر به عن الفئة الأولى، فإن باريتو فضل مصطلح الطبقة الحاكمة للتعبير عنها.

والنخبة من منظورهما هي مجموعة قليلة من الأشخاص الذين توافرت لديهم شروط موضوعية (الثروة والقدرة..) وأخرى ذاتية (المواهب..) بالشكل الذي يجعلها متميزة عن باقي أفراد المجتمع.

أما لازويل Lassswel فقد اعتبر أنها تلك الطبقة التي تتميز بقدرتها على التأثير أكثر من غيرها، مع جنيها لنتائج ملموسة بفعل هذا التأثير.

وضمن تصور آخر؛ نجد رايت ميلز الذي ركز على المجتمع الأمريكي في دراساته، يقيم علاقة وطيدة بين النخبة وامتلاك إمكانية اتخاذ القرار، حيث توصل إلى أن هناك مجموعة من المؤسسات تتحكم في مسار الولايات المتحدة حددها في: المؤسسة العسكرية، المؤسسة السياسية؛ المؤسسة الشركات الكبرى، من خلال نخبة تحتل مكانة مهمة داخل هرم اتخاذ القرار داخل هذه المؤسسات.     

وفي القواميس الإنجليزية تعرف باعتبارها:" أقوى مجموعة من الناس في المجتمع، ولها مكانتها المتميزة وذات الاعتبار"(2). بينما القواميس الفرنسية فتحدثت في هذا الشأن عن أشخاص وجماعات تتيح لهم إمكانية امتلاك القوة أو التأثير؛ المشاركة في صياغة تاريخ جماعة معينة، عبر وسائل وسبل عديدة (اتخاذ القرارات؛ اقتراح الأفكار، إبداء المشاعر..).   

والجدير بالذكر أن هناك مجموعة من الاعتبارات الذاتية (الذكاء، الإبداع، الاجتهاد، الطموح..) والموضوعية (الإمكانيات الاقتصادية والعلمية والوظيفية..) التي تجعل النخبة - باعتبارها أقلية - تتحكم في فئات عريضة من المجتمع.

ولعل أبرز ما تتميز به هذه الأقلية هو تلك القوة أو القدرة على التأثير على الآخرين؛ فتقنعهم أو تغريهم أو تهددهم؛ وتنتهي إلى توجيههم وقيادتهم والاستفادة منهم حسب أهداف معينة(3).

وعلى الرغم من الصعوبات التي تعتور تحديد مفهوم قار للنخبة بالنظر لتعدد التعريفات الواردة بشأنها، يمكن القول أن المصطلح يحيل إلى مجموعة من الأفراد الذين يتموقعون في مراكز سياسية واجتماعية واقتصادية.. عليا داخل المجتمع؛ تسمح لهم بصناعة القرارات في مختلف المجالات أو التأثير في صياغته.

وبناء على ذلك؛ كان من الطبيعي أن تتوافر لكل مجتمع من المجتمعات - بغض النظر عن درجة نمائه وتطوره - نخبة تحظى بأهمية كبرى على مستوى قيادة الحياة الاجتماعية أو السياسية أو الثقافية أو العسكرية أو الاقتصادية..

ويعتقد البعض أن ترتيب وموقع أنماط "الصفوة" يختلف من حيث الأهمية والقوة، من مجتمع إلى آخر، كما يختلف في المجتمع الواحد من مرحلة إلى أخرى. ففي المجتمع البدائي أو البدوي، كانت الشجاعة والفروسية والكرم والشعر والثروة وحدها تشكل قيم وإمكانات "الصفوة".. وفي مجتمع أكثر تطورا وتحضرا يصبح أهل العلم والرأي والحكمة والفراسة، هم صفوة المجتمع، ويجري حل الأمور تحت رعايتهم ومشورتهم(4).

 أما بخصوص النخبة السياسية؛ فنجد بنتام Puntam يقصر مفهوم النخبة فقط على "أولئك الذين لهم سلطة أكبر على الآخرين"، فالنخبة السياسية تقتصر فقط على البرلمانيين، الوزراء ورؤساء الدولة بالإضافة إلى كبار الموظفين(5)..

ومن منظور بوتومور؛ تعتبر النخبة السياسية هي تلك المجموعة التي تضم أفرادا يمارسون السلطة السياسية داخل المجتمع خلال فترة زمنية محددة. وضمن هذا الإطار نجد أعضاء الحكومة، والموظفون الإداريون السامون والقادة العسكريون والمستثمرون الاقتصاديون الكبار وبعض العائلات النافذة سياسيا..

أما موسكا وباريتو فقد كانا معا مهتمين بالنخبة باعتبارها فئات من الناس تمارس السلطة السياسية مباشرة؛ وتكون في وضع تؤثر فيه بشدة في عملية ممارسة هذه السلطة(6).

وذهب العديد من الباحثين إلى أن هذه النخبة تشكل فئة اجتماعية متقاربة، رغم بعض اختلافاتها الإيديولوجية والسياسية، كما أكدوا أيضا أنها تأتي عبر سبل مختلفة ومتعددة؛ تتأرجح بين بالوراثة والقوة والتعيين والتزكية تارة وبين الانتخاب تارة أخرى.

وإذا كان هناك اعتقاد بأن النخب السياسية مفتوحة أمام كل أفراد المجتمع كيفما كان منشِؤها الاجتماعي، مهنها، مستواها الثقافي أو طبيعة جنسها..؛ فإن موسكا اعتبر أن نقيض هذا النموذج هو السائد؛ على اعتبار أن هناك أقلية تتميز عن باقي شرائح المجتمع بخصائص معينة تمنحها تفوقا ماديا، ثقافيا وأدبيا..(7). 

وفي مقابل الرأي الذي يركز على النخبة السياسية في مقارباته وتحليلاته كأرسطو، باريتو، موسكا..، هناك اتجاه آخر قاده كل من سان سيمون وكارل منهايم وريمون آرون ورايت ميلز..، أكد فيه أصحابه على وجود أشكال متعددة من النخب؛ تعمل بشكل مشترك (نخبة عسكرية، نخبة اقتصادية وسياسية..)، فالمجتمع - بحسب هذا الرأي الأخير - ينتج بالإضافة إلى نخب سياسية نخبا أخرى، غير أن هذه الأخيرة لا تحظى بممارسة أدوار سياسية كبرى، بل يظل تأثيرها في قضايا ومواقف هذا الحقل متواضعا.

ويعتقد أحد الباحثين أن الفرق الأساسي بين النخبة السياسية وباقي النخب يكمن في كون الأولى تتمتع بمجموعة من الصلاحيات تجعلها هي المقررة الأولى للمجتمع؛ بحيث تختار له توجهاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية أحيانا، مما يجعل سلطاتها واسعة وتأثيرها لا محدودا، أما النخب الأخرى؛ فإنها تمارس نفوذها وسلطتها داخل مجالاتها الخاصة، دون أن تستطيع التأثير على التوجهات السياسية بشكل قوي وفعال(8).

ومن هذا المنطلق؛ فالنخبة السياسية تحتل مركزا متميزا ضمن قائمة مختلف النخب الأخرى، باعتبارها تملك القوة والقدرة داخل النظام السياسي للدولة، وتسهم بشكل محوري في صناعة القرارات.

ولقد جاءت نظرية النخبة كرد فعل على استحالة تطبيق الديموقراطية باعتبارها "حكم الشعب نفسه بنفسه ولنفسه"، وكبديل لنظرية الطبقات الاجتماعية التي جاءت بها الماركسية. فباريتو في كتابه "العقل والمجتمع حدد مفهوم النخبة في كونها مجموعة من الأفراد الذين توفقوا في مختلف أنشطتهم ووظائفهم بشكل جيد داخل "مباراة الحياة"، بالشكل يجعلهم قادرين على احتلال مناصب قيادية للقيام بأدوار سياسية واجتماعية محورية داخل المجتمع؛ وتظل هذه القيادة غير مشروطة بالضرورة بموافقة أفراد هذا الأخير. أما موسكا فيؤكد على أنها مجموعة قليلة من الأشخاص يميزها التماسك وتملك القوة والإمكانية في مواجهة الأصوات المعارضة لها، وهي بذلك تملك قدرة فائقة على تنظيم أغلبية اجتماعية غير منظمة، غير أنه وعلى عكس باريتو يؤكد على ضرورة توافر موافقة المحكومين في هذا الشأن (مقاربة ديموقراطية). فيما يبرز بوتومور أيضا الدور الهام الذي تلعبه النخبة والمرتبط بتدبير شؤون المجتمع وقيادته.  

أما ميشيل روبرتو ومن خلال مقاربته لنشاط الأحزاب السياسية؛ توصل إلى أن هذه الأخيرة باعتبارها مظهرا من مظاهر الممارسة الديموقراطية؛ تصبح مع مرور الوقت رهينة تحكم أقلية تستأثر بسلطة واسعة على مستوى اتخاذ القرارات داخل التنظيم، ونفس الشيء بالنسبة لبنيات اجتماعية أخرى بما فيها الدولة، وبخاصة وأن هذه البنيات تحتاج إلى أقليات منظمة.

  من خلال المعطيات السابقة يمكن استخلاص أن النخبة السياسية هي أقلية داخل المجتمع، تتوفر على خصائص وقدرات ذاتية وإمكانيات أخرى موضوعية؛ تمكنها من قيادة المجتمع والتأثير في مساره من خلال قدرتها على صناعة القرارات السياسية..

من المفروض أن تحتل النخبة السياسية - باعتبارها الفئة التي تستأثر باتخاذ القرارات الأساسية في الدولة أو تؤثر فيها- مكانة متميزة داخل المجتمعات باعتبارها القاطرة التي ينبغي أن تقود حركة التطور والتنمية، غير أن نجاح هذا الدور الحيوي والهام يظل مرتبطا بمدى قوتها ومصداقيتها وتجددها.

وفي هذا السياق؛ تشير بعض الدراسات إلى أن النخبة السياسية وحدها (رؤساء الجمهوريات، ورؤساء الوزارات، والأحزاب والمجالس البرلمانية..) تستطيع أن تحدث الإصلاحات والتغير داخل المجتمع والدولة، ذلك أن استمرارية الديموقراطية على امتداد فترات زمنية طويلة يتطلب العديد من التغييرات والتعديلات، تستطيع النخبة من خلالها – النخبة التي تقدر الديموقراطية وتستجيب للاهتمامات المختلفة وتعمل على دمجها – أن تقوم باستمرار بإصلاح الديموقراطية وإعادة تشكيلها(9).

ويبدو أن استقلال النخب السياسية، لا يمنع من ارتباطها بممثليها والفئات التي تدعمها، وهذا هو النصف الثاني من الحقيقة التي أبان عنها شوميتر، وقد بين فيبر ذلك فيما يخص الأحزاب والتنظيمات السياسية؛ بحيث أن القادة الحزبيين في تنافسهم على السلطة غالبا ما يحققون لأنصارهم بعض الرغبات والمطالب(10)..

كما أن أولئك الذين هم في مراكز السلطة، يعون تماما مدى عدم استقرارهم في مراكزهم؛ ولذا فإنهم يقيمون اعتبارا للفئات المعارضة؛ إذ أنهم أنفسهم كانوا في صفوف المعارضة وسيعودون في يوم من الأيام إلى تلك الصفوف(11).

ومن هذا المنطلق؛ يظل التجديد داخل هذه الفئة أمرا مطلوبا - ولو تم ببطء - لأجل تعزيزها بعناصر جديدة كل حين، غير أن الملاحظ هو أن هذا التغيير يظل مرتبطا بطبيعة النظام السياسي الذي تشتغل فيه هذه النخبة، فكلما كان الفضاء ديموقراطيا ومنفتحا؛ إلا وبرزت حركية وحيوية هذا التجدد باستمرار، وكلما كان النظام السياسي منغلقا وشموليا حدث العكس. 

إن النخب السياسية في العديد من المجتمعات التي تعاني من ويلات التسلط؛ تضع شروطا تعجيزية للالتحاق بصفوفها؛ كما أنها لا تقر بأهمية الممارسة الديموقراطية إلا عندما تكون هذه الأخيرة في صالحها، فآلية الانتخابات المزورة تسمح بإعادة تجديد نفس الوجوه أو صعود النخب الموالية لها.

 ومن هنا نطرح سؤالا ملحا: هل يمكن لنخبة سياسية لا تؤمن بالديموقراطية ولا تتبناها في ممارساتها أن تطالب جهات أخرى بتحقيقها وبلورتها في الواقع؟

ثانيا: أزمة التغيير الديموقراطي في المنطقة العربية

بدأت الديموقراطية في العقود الأخيرة التي أعقبت انهيار المعسكر الشرقي ونهاية الحرب الباردة - كما هو الشأن بالنسبة لمجموعة من القضايا الحيوية الأخرى كحقوق الإنسان والمحافظة على البيئة ومكافحة الإرهاب..- تأخذ بعدا عالميا، حيث تزايد الاهتمام بهذا الشأن داخل الأوساط الدولية الرسمية منها وغير الرسمية؛ بعدما ظلت حتى وقت قريب تعد شأنا داخليا يحاط بجدار سميك تفرضه سيادة الدول، وهذا ما شكل في أحد جوانبه رادعا معنويا لتمادي مخ

المزيد


التحول السياسي للبحرين في ظل نظام الملكية الدستورية 1 من 2

يناير 12th, 2008 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , جديد الباحث, دراسات منشورة للباحث

نشرت في مجلة التاريخ العربي، جمعية المؤرخين المغاربة، العدد 42؛ خريف 2007

التحول السياسي للبحرين في ظل نظام الملكية الدستورية

 

  د.إدريس لكريني-أستاذ باحث، كلية الحقوق، مراكش، المغرب

 منذ أواخر التسعينيات من القرن المنصرم؛ وبينما كانت مختلف بلدان العالم في أوربا الشرقية وأمريكا اللاتينية وإفريقيا.. تشهد تحولات سياسية واقتصادية.. متسارعة في عالم متغير ملؤه التحديات والمخاطر؛ أطلق النظام السياسي في دولة البحرين مجموعة من المبادرات السياسية؛ التي كانت تجسد انفتاحا للقيادة الجديدة؛ وتنبئ بتحول سياسي وبإصلاحات ديموقراطية في الأفق.

فقد تميزت هذه الفترة باتخاذ العديد من الخطوات التي هدفت في مجملها إلى إنهاء الأزمة التي كانت قائمة بين النظام الحاكم والمعارضة، وكان من مظاهرها الإفراج عن المعتقلين السياسيين، والسماح بعودة المبعدين والمنفيين إلى البلاد، وتعيين عدد من المستشارين في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، إضافة إلى تغيير بعض رموز أجهزة الأمن ممن كانت تتهمهم دوائر المعارضة البحرينية بممارسة أعمال قمع ضد المواطنين؛ وإلغاء حالة الطوارئ المفروضة، وسمح أيضا بتنظيم الاعتصامات والمظاهرات؛ بعد أن تم إلغاء محاكم وقانون أمن الدولة وإصدار الميثاق الوطني، الذي تم الاستفتاء عليه في فبراير 2001..، وهو ما انعكس بشكل إيجابي ملحوظ على مختلف المجالات والقطاعات داخل الدولة والمجتمع.

 أولا- إصدار ميثاق العمل الوطني

انسجاما مع هذه التحولات؛ تمت صياغة ميثاق عمل وطني اعتبر كوثيقة عمل مستقبلية للبلاد؛ تضمنت مجموعة من المبادئ والتصورات، وجرى عرضها على استفتاء شعبي بتاريخ 14 فبراير 2001، حيث لقيت تجاوبا كبيرا وتأييدا واسعا من لدن الشعب البحريني الذي صوت لصالحها بكثافة وصلت إلى نسبة 98.4 بالمائة.

وقد جاء هذا الميثاق حافلا بمجموعة من المبادئ والضوابط التي تشكل في تناسقها وتناغمها الفلسفة السياسية التي ستؤطر الدولة والمجتمع في البحرين فيما بعد، حيث أشار إلى السياق التاريخي لشخصية الدولة، وإلى المقومات الأساسية للمجتمع، وطبيعة نظام الحكم المستقبلي، وسلط الضوء على الحياة النيابية ومجالات اشتغالها، وتضمن بالإضافة إلى ذلك؛ مجموعة من المعطيات المرتبطة بالأسس الاقتصادية للمجتمع، والأمن الوطني، والعلاقات الإقليمية والدولية، وكيفية إجراء تعديلات على الدستور لتنسجم مقتضياته مع مختلف هذه المبادئ والمستجدات.

وأمام الالتباس الحاصل نتيجة لصعوبة التمييز بين الوثيقتين (الميثاق والدستور)؛ أصبح تفعيل المبادئ التي ورد ذكرها في هذا الميثاق يحتاج إلى إجراء تعديلات على الدستور القائم؛ ليتلاءم مع الأهداف الكبرى التي تضمنها الميثاق، والتي ستمكن البحرين من مواصلة مسيرتها في إطار تحديث مؤسسات الدولة وسلطاتها الدستورية.

وقد عهد الأمير بموجب المرسوم رقم 5 لسنة 2001 إلى لجنة فنية استشارية بوضع مشروع التعديلات الدستورية التي نص ميثاق العمل الوطني على ضرورة إجرائها؛ على أن تأخذ هذه اللجنة في اعتبارها الأسس والمبادئ التي وردت في هذا الميثاق(1)، وبخاصة وأنه يكتسي قوة إلزامية بالنظر إلى صدوره نتيجة لاستفتاء الشعب الذي يعتبر صاحب السيادة في الدولة، كما أن الصيغة التي وردت بها المبادئ والأسس التي تضمنها تحمل في طياتها معنى الإلزام، الأمر الذي يجعله مرتكزا لتعديل الدستور ووضع مختلف القوانين.

فالكلمة التي قدم بها الأمير الميثاق إلى الشعب قبيل الاستفتاء، والتي جاء فيها: "إن الميثاق يعتبر مرجعا لمسيرتنا الوطنية، نسير على هديه في عملنا الوطني ونواصل به مسيرتنا ونستكمل على أساسه تحديث مؤسسات الدولة وسلطاتها الدستورية، وننجز منه في كل مرحلة ما نراه متمشيا مع تطلعات المواطنين".

بالإضافة إلى ما ورد في الميثاق نفسه ضمن سياق استشرافه المستقبل؛ عندما أكد على أن: "هذا الميثاق وقد توافق الجميع على محتواه حكومة وشعبا، وأخذا في الاعتبار أنه يمثل وثيقة عمل مستقبلية للبلاد، وأن تفعيل الأفكار الأساسية الواردة فيه تتطلب بعض التعديلات الدستورية..".

كلها مؤشرات تحمل في طياتها ما يدل على أن الشعب قد عهد بوضع التعديلات الدستورية إلى الأمير(2).

ومما يعزز هذا الأمر؛ وجود اتجاه فقهي يذهب إلى أن الإعلانات والمواثيق من هذا القبيل تعتبر ملزمة لواضعي الدستور، وتأخذ مرتبة أعلى منه؛ لأنها تمثل الاتجاهات الكبرى التي ارتضاها الشعب من خلال استفتاء مباشر، وتضمن المبادئ الدستورية المستقرة في الضمير الإنساني للمجتمع، ومن تم وجب أن يتقيد بها المشرع الدستوري والمشرع العادي على حد سواء(3).

ويجد هذا الخيار أساسه في العديد من التجارب والممارسات التاريخية التي جسدتها إعلانات الحقوق الأمريكية، وإعلانات الحقوق الفرنسية، وميثاق العمل الوطني المصري وميثاق العمل الجزائري..

وفي ضوء هذه المعطيات انتهت اللجنة المكلفة بوضع الدستور إلى نتيجة مفادها أن السبيل الموضوعي لإعمال هذا التعديل هو إحالة المشروع على الأمير، تبعا لما ورد في الميثاق نفسه؛ بحيث تصبح التعديلات الدستورية التي يقرها الأمير معبرة عن الإرادة الشعبية التي منحته هذا التفويض بناء على الاستفتاء العام على مشروع الميثاق.

وهو ما علق عليه أحد الناشطين السياسيين المعارضين بأن: "الدستور وثيقة بين الحكومة والشعب؛ وأي تعديلات تتخذ يجب أن يتفق عليها الجانبان، أما إذا كانت من طرف واحد فتعتبر غير ذات معنى"(4).

فيما دعت مجموعة من الجمعيات السياسية المعارضة كجمعية العمل الوطني الديمقراطي وجمعية الوفاق الإسلامية والمنبر الديمقراطي التقدمي وجمعية الوسط العربي الإسلامي الديمقراطي.. إلى ضرورة الاستناد إلى دستور الدولة الصادر في سنة 1973 عند إعمال أي تغيير في هذا الشأن؛ وبخاصة وأنه نص في الفقرة الأولى من المادة 104 منه التي حددت إجراءات تعديله؛ على أنه: "يشترط لتعديل أي حكم من أحكام هذا الدستور أن تتم الموافقة على التعديل بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس الوطني، وأن يصدق الأمير على التعديل

المزيد


تطور أداء مجلس الأمن-الحلقة الأخيرة

ديسمبر 21st, 2007 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , دراسات منشورة للباحث

تطور أداء مجلس الأمن في مجال المحافظة على السلم والأمن الدوليين-18 من 18 الأخيرة

 

د.إدريس لكريني

 مجلس الأمن وأزمة "لوكربي"

في الرابع عشر من شهر نونبر 1991 وجهت أمريكا مذكرة رسمية إلى ليبيا تتهمها فيها بالوقوف وراء تفجير طائرة " البان أميريكان " فوق بلدة "لوكربي" بسكوتلاندا خلال رحلتها رقم 103 من فرانكفورت نحو نيويورك سنة 1988، والتي أسفرت عن مصرع جل الركاب وطاقم الطائرة البالغ عددهم 270 شخصا. وفي 27 من نفس الشهر طالبت ليبيا بتسليمها اثنين من رعاياها لمحاكمتهما أما القضاء الأمريكي أو البريطاني. غير أن ليبيا رفضت هذا الطلب استنادا إلى عدم وجود اتفاقية لتسليم المتهمين أو المجرمين بينها وبين الولايات المتحدة ولتعارض ذلك مع القانون الليبي.

إلا أن الولايات المتحدة في هذه الحالة التجأت إلى مجلس الأمن الذي أصدر قراره رقم 732 بالإجماع في 21 يناير 1992 مطالبا ليبيا بالتعاون مع كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وهو ما يعني ضمنيا مطالبة ليبيا بتسليم المتهمين لمحاكمتهما أمام القضاء الأمريكي أو الاسكتلندي. وبالتعاون مع السلطات الفرنسية في التحقيقات الخاصة بسقوط الطائرة الفرنسية، ومعتبرا أن ذلك العمل "الإرهابي" يشكل تهديدا للسلم والأمن الدوليين. وأمام إصرار ليبيا على عدم تسليم مواطنيها مرة أخرى مستندة في ذلك على اتفاقية مونتريال لعالم 1971 المتعلقة بقمع الأفعال غير المشروعة ضد أمن الطيران المدني التي لاتفرض تسليم المتهمين بالشكل الذي طرحته الولايات المتحدة، أصدر المجلس قرارا آخر تحت رقم 748 بتاريخ 31 مارس 1992 اعتبر فيه أن ليبيا لم تستجب استجابة كاملة للطلبات الواردة في القرار السابق رقم 731 واعتبر أن ذلك بمثابة شكل من أشكال تهديد السلم والأمن الدوليين, وأنذر ليبيا بفرض عقوبات زجرية  إذا لم تذعن قبل 15 ابريل من سنة 1992 للقرار 731 وقد تضمنت هذه العقوبات حظرا جويا وعسكريا وعقوبات تتمحور حول خفض بعثاتها الدبلوماسية في الخارج وطرد بعض المواطنين الليبيين الذين سبق لهم التورط في" أنشطة إرهابية" داخل بعض الدول. وبالفعل أصبحت هذه العقوبات سارية المفعول مع انتهاء المدة المحددة .

وقد استمرت الدول الغربية في سياسة الضغط على ليبيا لإرغامها على تنفيذ القرار 731 وتمكنت بعد ذلك من إصدار القرار 883 في 8 نونبر 1993 منح ليبيا مهلة حتى الأول من شهر دجنبر من نفس السنة لتنفيذ القرار الأول، ولأن ليبيا لم تستجب لذلك، سار هذا القرار ساريا في حقها حيث نص على مجموعة من العقوبات الجديدة من تجميد للأموال بالخارج وإغلاق مكاتب الخطوط الليبية في جميع الدول وتشديد العقوبات السابقة. وقد استمر المجلس في تجديد هذه العقوبات كل ثلاثة أشهر بفعل تمسك الدول الغربية الثلاث ( أمريكيا وبريطانيا وفرنسا ) بذلك في حين لم تستطع الصين أو روسيا اتخاذ أي موقف صارم مخالف لاتجاه هذه الدول. وأمام هذه التطورات أكدت محكمة العدل الدولية في قرار لها بتاريخ 27 فبراير 1998، اختصاصها بالنظر في الشكوى المقدمة إليها من طرف ليبيا بتاريخ 27/03/1992 بهذا الصدد, وفي نفس الفترة تعزز الموقف الليبي بعد أن أصدر مجلس الأمن قراره الثالث رقم 1192 الذي يسمح بمحاكمة المتهمين في بلد محايد, ولم يكن هذا الإجراء سهلا بفعل رفض كل من لندن وواشنطن مشاركة ليبيا في التفاوض لوضع ترتيبات تنفيذ هذا القرار في ظل ضمانات دولية، غير أن الوساطة السعودية والجنوب - إفريقية أسهمت بشكل كبير في التقريب بين وجهات النظر مما أدى إلى تسليم المتهمين إلى مساعد الأمين العام للأمم المتحدة في الشؤون القانونية بتاريخ 5 أبريل 1999 لمحاكم

المزيد


دروس ودلالات الانتخابات التشريعية الأخيرة بالمغرب

نوفمبر 10th, 2007 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , دراسات منشورة للباحث

الانتخابات التشريعية في المغرب(شتنبر/ أيلول 2007): دروس ودلالات 

د.إدريس لكريني- أستاذ باحث، كلية الحقوق، مراكش، المغرب

نشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد عدد 345 لشهر نونبر 2007

www.caus.org.lb/PDF/EmagazineArticles/345-06.pdf

 شهد المغرب في السابع من شهر شتنبر/ أيلول 2007؛ إجراء انتخابات تشريعية، تعد الثامنة بعد الاستقلال والثانية في عهد العاهل محمد السادس.

حيث تميزت بمشاركة مجموعة من الأحزاب السياسية المتباينة في خلفياتها الإيديولوجية؛ وصل عددها 33 من بينها أول حزب نسائي هو حزب المجتمع الديمقراطي الذي تأسس مؤخرا؛ في مقابل 26 حزبا شاركت في الانتخابات المنصرمة. وقد تنافست هذه الأحزاب حول 295 مقعدا مخصصا لمجلس النواب(الغرفة الأولى) على صعيد 95 دائرة انتخابية محلية(دون احتساب اللائحة الوطنية التي تضم 30 مقعدا مخصصة للنساء)؛ ببرامج متباينة يغلب عليها طابع التشابه والمبالغة.

 وعرفت هذه الانتخابات مقاطعة حزب النهج الديموقراطي المعترف به والذي اعتبر أن الدستور بشكله الحالي لا يتيح للأحزاب المشاركة إمكانية تدبير شؤون البلاد بشكل فعال، وفي غياب كل من جماعة العدل والإحسان والحزب الأمازيغي الديموقراطي غير المعترف بهما رسميا.

 أولا- السياق العام للانتخابات التشريعية (شتنبر 2007)            

جاءت هذه الانتخابات في ظل ظرفية محلية تتميز بطرح مشروع الحكم الذاتي في الصحراء؛ ووسط مجموعة من التحديات الاقتصادية (تنامي التنافسية الاقتصادية الدولية أمام هشاشة الاقتصاد المحلي؛ تحدي اتفاقيات التبادل الحر..) والاجتماعية (فقر، بطالة، أمية، هجرة، تفاوت طبقي صارخ، أزمة التعليم..) والسياسية (تنامي المد الإسلامي، ضعف الأحزاب السياسية؛ تزايد مخاطر الإرهاب، تصاعد العزوف السياسي..) التي يشهدها المغرب.. وفي ظل ظرفية دولية تتسم بتزايد الاهتمام بأهمية وأولوية مكافحة التطرف و"الإرهاب"، وتزايد شعبية الحركات الإسلامية "المعتدلة" المشاركة في المؤسسات السياسية فيعدد من الأقطار العربية والإسلامية.

وقد راهنت الدولة كثيرا على هذه الانتخابات، واعتبرتها بمثابة مدخل لتعزيز مسلسل الإصلاحات وتعزيز الخيار الديموقراطي، وهو ما يفسر جهودها لضمان مرورها في جو من النزاهة الكفيل بتحقيق نوع من تكافؤ الفرص بين كافة المرشحين، وفي المقابل أكد عدد من السياسيين والمراقبين والمهتمين أن هذه المحطة ستشكل مناسبة للتأكد من جدية الدولة في التأسيس لمسار انتقال ديموقراطي حقيقي؛ وبخاصة على مستوى ضمان مرورها في ظروف شفافة وسليمة، والتعامل مع نتائجها إيجابيا من خلال تعيين وزير أول من داخل الأحزاب(1).

وقد تميزت هذه الانتخابات أيضا بتأجيل مشاركة الجاليات المغربية بالخارج؛ وهو ما اعتبره البعض إجراء للحد من حظوظ الإسلاميين في هذه الانتخابات باعتبارهم يتمتعون بشعبية متزايدة في أوساط هذه الفئة الاجتماعية.

 وبحسب وزارة الداخلية المغربية؛ فقد بلغ عدد اللوائح المحلية الموضوعة خلال هذه الانتخابات 1870 لائحة؛ تتنوع كما يلي: 95 لائحة لحزب الاستقلال ونفسها للاتحاد الاشتراكي، و94 لائحة لحزب العدالة والتنمية ونفسها لجبهة القوى الديموقراطية، و92 لائحة لحزب التقدم والاشتراكية و91 لحزب التجمع الوطني للأحرار و90 لحزب الحركة الشعبية و80 لحزب الاتحاد الدستوري، و69 للحزب العمالي..

أما عدد اللوائح التي وضعها مرشحون غير منتمون سياسيا؛ فقد وصلت 13 لائحة في مقابل 4 لوائح مستقلة خلال الانتخابات المنصرمة(2002)، ويلاحظ أن النساء لا يمثلن سوى 3 بالمائة من مجموع "وكلاء اللوائح"؛ في حين خصصت لهن لائحة وطنية للتباري حول 30 مقعدا.

ومن جهة أخرى؛ تقدم 18 حزبا بوضع لوائح محلية في أكثر من 50 من الدوائر على الصعيد الوطني.

وباستحضار المستوى التعليمي ل"وكلاء اللوائح" من المرشحين؛ يلاحظ أن57 بالمائة منهم يتوفرون على مستوى تعليمي عالي، و30 بالمائة على مستوى ثانوي، و13 بالمائة على مستوى ابتدائي.

وقد جرت هذه الانتخابات وفق نظام انتخابي يرتكز على القائمة النسبية التي تقضي بتصويت الناخبين على مجموعة من القوائم تتضمن كل منها عدد المقاعد المتنافس بشأنها داخل دائرة انتخابية كبيرة نسبيا.

وقد وجهت العديد من الانتقادات إلى هذا النظام سواء من قبل بعض الأحزاب أو بعض المهتمين والباحثين وبعض المراقبين الدوليين الذين حضروا هذه الانتخابات، وبخاصة وأنه لا يتيح لأي حزب مهما بلغت درجة قوته وشعبيته؛ أن يفوز بأغلبية كبيرة من المقاعد في المجلس، ويؤدي في كثير من الحالات إلى نوع من المفارقة وعدم التناسب بين عدد الأصوات الكبير الذي قد تحصل عليه بعض الأحزاب من جهة؛ وعدد المقاعد القليلة التي قد تفوز بها في المجلس من جهة أخرى(2)، وعلاوة عن كونه يعزز من مواقع القيادات الحزبية؛ فهو يؤدي في العديد من الحالات إلى "بلقنة المشهد السياسي"؛ مما لا يسمح بتشكيل حكومات متجانسة بالشكل الذي ينعكس سلبا على الأداء الحكومي وعلى استقرار النشاط التشريعي وفعاليته ويعطل استكمال شروط التناوب المنشود.

ولعل هذا ما دفع ببعض المراقبين إلى اعتباره عاملا من بين العوامل التي "تضعف سلطة البرلمان وتقلص من ثقة الناخبين فيه وفي الأحزاب السياسية".

ومع ذلك؛ فهناك بعض الحسنات التي تحسب لهذا النظام؛ نظرا لكونه يسهم في خلق شروط تسهم في سلامة الانتخابات ونزاهتها من حيث أنه يمنع إضفاء الطابع الفردي - وما يرتبط به من مال وجاه وسلطة..- على الانتخاب؛ لصالح الحزب وبرنامجه، ويفتح المجال أمام الأحزاب السياسية الصغرى للظفر ببعض المقاعد في المجلس.

 ثانيا- ضمان النزاهة كسبيل للمصالحة مع الشأن السياسي

أمام عزوف المواطنين ورفض عدد كبير منهم سحب بطائق التصويت رغم الحملات الإعلامية والميدانية الواسعة..؛ وكسبيل لإعادة الثقة والمصالحة مع الشأن السياسي بصفة عامة والانتخابي بشكل خاص، انخرطت جمعيات من المجتمع المدني(دابا 2007) إلى جانب الحملات الإعلامية والإجرائية التي قادتها الدولة في هذا الشأن؛ من أجل التحفيز على المشاركة في هذه الانتخابات، ومعلوم أن الانتخابات التشريعية لسنة 2002 شهدت بدورها عزوفا ملحوظا؛ ذلك أن الإحصائيات الواردة في هذا الشأن بينت أن نسبة مهمة من المواطنين لم تشارك بالإدلاء بأصواتها رغم مرورها - الانتخابات- إجمالا في أجواء من النزاهة والشفافية.

كما قامت الدولة بنوع من الجدية والصرامة في اتخاذ مجموعة من التدابير والإجراءات الكفيلة بتوفير الشرط الملائمة لمرورها في جو سليم ونزيه؛ وتعهدت بالتزام الحياد ومتابعة المتورطين في أي شكل من أشكال الفساد الانتخابي.

وهو الأمر الذي حمله خطاب العاهل المغربي في الذكرى 54 لثورة الملك والشعب حيث أشار إلى أنه: "يتعين على الجميع التصدي بروح المواطنة وقوة القانون للعابثين بالانتخابات والمتاجرين بالأصوات ولإفسادها بالمال الحرام والغش والتدليس والتزوير، فلا مكان للممارسات المخالفة للقانون في كل المجالات، مهما يكن مرتكبوها، فمحاربة الرشوة والفساد واستغلال النفوذ وإقطاعيات الريع وتوزيع الغنائم مسؤولية الجميع".

فبالإضافة إلى التنسيق الذي حدث بين وزارة الداخلية والعدل بصدد تفعيل عمل اللجان الجهوية للتتبع والضبط والمراقبة؛ ووضع نظام للديمومة للحد من هذه الممارسات الذي سمح بضبط مجموعة من الحالات التي تورط فيها مرشحون وهم يقومون بحملات انتخابية قبل الأوان، ومسؤولين من عمال وقياد وأعوان سلطة ورجال أمن.. ممن أقدموا على دعم بعض الأطراف، واتخاذ إجراءات تأديبية وقانونية في حق البعض منهم..؛ وانخراط المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في تتبع هذه الانتخابات من خلال اعتماد "النسيج الجمعوي لرصد الانتخابات"، تم التكثيف من الإجراءات التحسيسية القاضية بإقناع المواطنين بالإقبال على التسجيل والمشاركة في الانتخابات كسبيل "لقطع الطرق أمام بيع وشراء الأصوات الانتخابية" وتفعيل مسار "الانتقال الديموقراطي".

 كما أن عددا من المنابر الإعلامية أثبتت أهميتها في هذا الشأن؛ وبخاصة على مستوى فضح بعض الممارسات المخلة بالسير العادي لهذه الانتخابات.

وموازاة مع ذلك؛ تميزت هذه الانتخابات بحضور أكثر من خمسين ملاحظا أجنبيا؛ أشرف عليهم المعهد الديموقراطي الوطني التابع للحزب الديموقراطي الأمريكي الذي لعب دور الوسيط بين هؤلاء الملاحظين من جهة والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان من جهة ثانية.

وإذا كانت الدولة قد سعت من خلال هؤلاء الملاحظين إلى إعطاء إشارات إلى المجتمع الدولي بشفافية انتخاباتها ومرورها في جو من "النزاهة والمسؤولية" وحياد السلطة؛ شأنها شأن العديد من الدول التي تطمح إلى نزع "شهادات تقدير" دولية في هذا الصدد.

فإن العديد من الباحثين انقسموا بشأن هذا الإجراء؛ وبخاصة في علاقته بسيادة الدول، فهناك من اعتبره أحد التداعيات السلبية للعولمة وتدخلا صارخا في شؤون البلاد؛ لكونه يشكل رقابة تمكن الدولة من تمرير أية انتخابات ولو كانت مزورة، فهو - من هذا المنظور- قد يكون مقبولا في حالة وجود دولة تحت الاحتلال أو الوصاية وذلك كسبيل لضمان حقوق الشعب؛ بينما يكون وجوده مجحفا وغير ذي جدوى إذا تعلق الأمر بدولة مستقلة؛ ولذلك اعتبر دليلا على غياب الديموقراطية؛ وضمن هذا السياق يطرح السؤال: لماذا لا تمارس مثل هذه الرقابة/ الملاحظة في دول كفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة؟

وفي المقابل اعتبره البعض نوعا من الرقابة الشكلية التي تسمح بمرور الانتخابات في ظروف نزيهة لضمان حياد السلطة في دول تتجه نحو الديموقراطية؛ في ظل ما أصبح يعرف بالاعتماد المتبادل وتداخل الشأن المحلي بالدولي.

ويمكن القول إن الضمانة الأساسية لنزاهة أية انتخابات تتجلى في تكوين هيئة عليا مستقلة للانتخابات والتي غالبا ما تتشكل من القضاء والمجتمع المدني وممثلي الأحزاب.

والأكيد أن رسائل الشفافية والنزاهة ينبغي أن توجه بالأساس إلى الجماهير في الداخل من خلال تخليق الحقل السياسي؛ فشهادتها-الجماهير- بنزاهتها هي أسمى من أية شهادة دولية أخرى كيفما كان مصدرها.

ورغم هذه الجهود؛ وعلى عكس توقعات الحكومة التي راهنت على تسجيل حوالي ثلاثة ملايين ناخب جديد؛ إلا أن عدد الذين تسجلوا بالفعل لم يتجاوز المليون ونصف شخص، فقد بلغ عدد المسجلين في قائمة الهيئة الناخبة 15 مليون و 510 ألف و505 ناخبا 48 في المائة من النساء، وذلك بزيادة فاقت المليون ونصف مقارنة مع الانتخابات التشريعية السابقة.

 ثالثا- انتخابات نزيهة بطعم العزوف

وصلت نسبة المشاركة في هذه الانتخابات إلى حدود 37 في المائة من الناخبين؛ ويمكن القول إن تدني هذه النسبة رغم الحملة الكبيرة قادها الإعلام الرسمي والحزبي بالإضافة إلى بعض الجمعيات المدنية لدفع المواطنين نحو المشاركة؛ فاقت كل التوقعات، فقد صوت حوالي 5,7 مليون ناخب من أصل 15,5 مليون، وألغي عدد كبير من الأوراق قدر بحوالي 19 بالمائة، في حين لم يسجل في اللوائح الانتخابية أصلا حوالي 4,7 مليون ممن بلغ سن التصويت.

 والجدير بالذكر أن العزوف السياسي أضحى من ضمن أبرز الاختلالات العميقة التي تعتور المشهد السياسي المغربي بشكل لافت في السنوات الأخيرة، فقد عرفت انتخابات سنة 1993 مشاركة بنسبة 62.75 بالمائة، وخلال انتخابات 1997 انخفضت إلى 58.30 بالمائة؛ لتصل في الانتخابات التشريعية لسنة 2002 إلى حوالي 52 في المائة.

وإذا ما استحضرنا أن المشاركة السياسية متى توافرت شروطها ومقوماتها بصفتها إحدى الركائز التي تنبني عليها الديموقراطية؛ تكون بمثابة تعبير عن المواطنة وتعد شكلا من أشكال المساهمة في تدبير الشأن العام وممارسة الحقوق السياسية والتعبير عن الآراء والميولات، فإن هذا العزوف الذي سجلت فيه أدنى نسبة مشاركة انتخابية في تاريخ المغرب؛ سواء في شكله الواعي المرتبط بمواقف واضحة من العمل السياسي أو الحزبي.. أو في مظهره ال

المزيد


دراسة جديدة للباحث

أكتوبر 5th, 2007 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , جديد الباحث, دراسات منشورة للباحث

نشرت مجلة شؤون عربية التي تصدرها الأمانة العامة الجامعة الدول العربية بالقاهرة في عددها الأخير 131 - خريف 2007 دراسة للباحث إدريس لكريني تحت عنوان:

المؤسسات القضائية الدولية ومعيقات العدالة

مقدمة الدراسة:

يرتبط مفهوم العدالة بمجموعة من المفاهيم الأخرى كالحق، والحرية وحقوق الإنسان والأخلاق.. فقد اعتبرها سقراط هي منح كل شخص حقه، فيما أكد أرسطو على أنها بمثابة ممارسة الفضيلة والسلوك المستقيم في علاقتنا مع الآخرين، وفي اللغة تعني العدالة؛ التوسط في الأمر من غير زيادة ولا نقصان، والعدل ضد الجور، وتعديل الشيء تقويمه، وضمن هذا السياق يقول الله تعالى في كتابه الكريم: "ولقد كرمنا بني آدم" و"لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم"، ومن تم فإن مهمة العدالة هي تحقيق احترام هذا التكريم للإنسان(1) وتأمين التعايش بين الناس.

وشكلت العدالة مطلبا إنسانيا ملحا على امتداد التاريخ البشري؛ كسبيل لتكريس الامتثال لمختلف الضوابط والقوانين التي تحكم حياة المجتمعات، وذلك في أفق بلورة استقرار داخل هذه المجتمعات. وعلى المستوى الدولي؛ شهدت الممارسة اتخاذ مجموعة من المبادرات والمحاولات التي استهدفت تأسيس قضاء بأبعاد دولية

المزيد


السياسة الخارجية لدولة الكويت

أغسطس 18th, 2007 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , دراسات منشورة للباحث

منشور بمجلة التاريخ العربي، جمعية المؤرخين المغاربة، عدد 40 ربيع 2007.

السياسة الخارجية لدولة الكويت: المقومات والأبعاد

 

د.إدريس لكريني (أستاذ جامعي، كلية الحقوق، مراكش)

تقديم

حصلت الكويت على استقلالها في سنة 1961؛ ونظرا لوجودها في موقع استراتيجي هام (الطرف الشمالي الغربي من الخليج العربي)، وامتلاكها لثروات نفطية هائلة؛ واقتران ذلك بصغر مساحتها وقلة عدد سكانها؛ وتموقعها ضمن محيط إقليمي سمته الاضطراب والتوتر، فقد حاولت بناء مؤسسات فعالة في إطار دولة حديثة؛ ونسج علاقات خارجية متوازنة؛ تأخذ بعين الاعتبار طبيعة التوازنات القائمة على المستوى العربي والدولي.

ومنذ استقلالها انخرطت الكويت في تجربة سياسية دينامية ومتميزة في منطقة يطغى عليها الجمود السياسي، كما أنها توفقت إلى حد بعيد في استثمار إمكانيتها النفطية في خدمة قضايا محلية وإقليمية ودولية حيوية.

وكما هو الشأن بالنسبة للعديد من دول الخليج العربية، أو الدول الصغرى الأخرى؛ شكل الأمن والاستقرار قضية أولوية ضمن أهداف سياسة الدولة، وبخاصة في أجواء المأزق الذي يعرفه العمل الإقليمي العربي من خلال الجامعة العربية؛ وتزايد تهافت بعض القوى الدولية الكبرى على خيرات المنطقة؛ وتصاعد مجموعة من الأزمات (الصراع العربي- الإسرائيلي، الملف النووي الإيراني، الأوضاع في العراق..).

ولا يعتبر هذا الهاجس جديدا، فقد حاولت الكويت، في تاريخها كله، المحافظة على توازن للقوى؛ كان الهدف منه هو حماية نفسها ضد هجمات القبائل وضمان أمن طرقها التجارية(1).

وهكذا شهدت؛ منذ 1971 تطورا ملحوظا على مستوى تطوير قدراتها العسكرية، فما بين عامي 1971 و 1977 أنفقت أكثر من 3.5 مليارات دولار في هذا الشأن.

وبغض النظر عن هذه التحديات، تؤكد الممارسة الدولية تاريخيا أن عددا من الدويلات الصغرى؛ تمكنت من لعب أدوار طلائعية وهامة خلال مراحل عصيبة من تطور الأوضاع الدولية، بالشكل الذي كان له الأثر الإيجابي الكبير على السلم والأمن الدوليين.

وضمن هذا الصدد؛ تشكل الكويت نموذجا للدولة الصغيرة، لا في إطار منطقة الخليج فحسب، بل أيضا في النظام الدولي الأوسع؛ التي وبالرغم من صغر حجمها؛ تلعب دورا ناشطا في السياسة الخليجية بشكل خاص، وفي السياسات العربية بشكل أعم(2).

وإيمانا منها بأهمية بناء علاقات دولية ودية مبنية على التعاون واحترام السيادة وقائمة على نبذ استعمال القوة العسكرية في فض الخلافات.. استطاعت أن تتبنى مجموعة من المواقف التي تنسجم مع ثوابتها الوطنية، وتؤكد حضورها الفاعل في العديد من المحافل والمناسبات الدولية الوازنة.

أولا: تجربة سياسية واعدة في محيط تقليدي

يعتقد العديد من الباحثين أن العديد من دول مجلس التعاون الخليجي؛ تمكنت من كسب ولاء الفئات الاجتماعية بداخلها من خلال سياستها المرتبطة بتوزيع المنافع وتغطية حاجاتها الاقتصادية والاجتماعية من خلال استثمار الريع النفطي في هذا الشأن.

الأمر الذي أصبحت معه الدولة أكثر قوة في مواجهة المنافسين المحتملين في الداخل، وبذلك غدت أقوى من مجتمعها، بل أقوى من أي طبقة أو تكوينة اجتماعية(3).

فدور الدولة كموزع للمزايا والمنافع انعكس على علاقة الأفراد بهذه الدولة ونظرتهم إلى حقوقهم في المشاركة، حيث أصبح جلهم أقل تشددا في المطالبة بهذه الحقوق، وخصوصا في ظل غياب أو ضآلة حجم الأعباء المفروضة عليهم بوجه عام، فضلا عن قناعة المواطن العادي بأن مجرد الحديث وليس الانتقاد الصريح أو المستتر للأوضاع القائمة أو المطالبة بالمشاركة هو من الأمور المحفوفة بالمخاطر، وأن الولاء للدولة مطلوب للحصول على المنافع(4).

الأمر دفع رواد هذا الاتجاه إلى القول بأن الثورة النفطية أسهمت بشكل كبير في حصول تطور اقتصادي كبير داخل هذه الدول، في حين كان لها الأثر السلبي على مستوى التحديث والتغيير السياسيين.

وقد كان لدخول القوات العراقية إلى الكويت؛ وتزامن ذلك مع انهيار المعسكر الشرقي ونهاية الحرب الباردة في بداية التسعينيات من القرن الماضي، أثر في تنامي مطالب داخلية في منطقة الخليج؛ باتجاه نهج إصلاحات كفيلة بمشاركة سياسية أوسع؛ وهو ما استجابت له العديد من دول المنطقة بشكل متفاوت(5).

وإذا كان هذا حال بعض الدول "النفطية" في منطقة الخليج؛ فإن دولة الكويت ومباشرة بعد استقلالها؛ اختارت اعتماد دولة المؤسسات؛ حيث تم انتخاب مجلس تأسيسي من أجل وضع دستور للبلاد، وبالفعل ففي الحادي عشر من شهر تشرين الثاني/ نونبر 1962 صدر دستور دولة الكويت(6).

ويشير أحد الباحثين أن هذه الأخيرة عندما اختارت النهج الديموقراطي ليكون أساسا لنظام الحكم فيها؛ كانت متيقنة أنها اختارت الطريق السليم؛ كما أنها كانت أيضا مدركة أنها سلكت طريقا صعبا ومعقدا، وذلك لأنها نهجت الديمقراطية في وسط يعادي الديمقراطية(7).  

وقد خول الدستور الكويتي مجموعة من الصلاحيات الحاسمة والهامة لمجلس الأمة (البرلمان)؛ مما مكنه من تحقيق توازن ملحوظ في مواجهة الحكومة، وهو الأمر الذي تسبب في بعض المواجهات بينها (البرلمان والحكومة)، التي عرفها المشهد السياسي الكويتي وتبلورت في شكل أزمات سياسية ودستورية متكررة.. قبل أن يتدخل الأمير لخلق نوع من التوازن والفصل بين خلافات السلطتين؛ وذلك بموجب صلاحياته في هذا الشأن، حيث كانت هذه المواجهات تنتهي بإعمال تعديلات وزارية أحيانا؛ أو بحل البرلمان أحيانا أخرى (تم ذلك خلال سنوات 1976؛ ودامت هذه الفترة خمس سنوات، ثم في سنة 1986؛ ودامت هذه الفترة ست سنوات، ثم في سنة 1999؛ ولم تدم سوى مدة قصيرة).

وعلى الرغم من هذه المحطات التي تسببت في حل البرلمان، وتعطيل الدستور وتقييد الحريات؛ والتي كادت أن تودي بالمسار السياسي للكويت؛ فإن التجربة الديمقراطية البرلمانية في هذا البلد، تعد من التجارب الرائدة التي شهدتها دول العالم الثالث، فقد خطت هذه الدولة منذ استقلالها عام 1961 وحتى اليوم خطوات كبيرة وجادة نحو إقامة دولة المؤسسات الدستورية(8).

ومن جانب آخر؛ شهدت الكويت إجراء مجموعة من التجارب الانتخابية البرلمانية والبلدية التي تميزت في مجملها بالنزاهة.

وعلى مستوى تطور هامش الحريات وحقوق الإنسان، فتح المجال أمام أفراد المجتمع من أجل ممارسة مشاركتهم السياسية؛ وشهد المجتمع المدني تطورا كبيرا، وتخلت الدولة عن احتكارها لإنشاء الصحف؛ الأمر الذي سمح بتطوير حرية الصحافة وإثارتها لقضايا حيوية وهامة(9)، كما منحت المرأة مجموعة من الحقوق السياسية المرتبطة بحق الترشيح والانتخاب، وقد تعززت هذه الجهود في السنوات الأخيرة بعد تعيين سيدتين ضمن عضوية المجلس البلدي؛ قبل أن تتوج بدخول المرأة إلى مجلس الوزراء(10).

 وبالرغم من هذه الجهود؛ فإن هناك من يرى بأن الدولة مطالبة بفتح باب المشاركة السياسية أمام مختلف الفئات داخل المجتمع؛ وبخاصة أولئك الممنوعين من التصويت الترشيح في الانتخابات.

فيما يعتقد بعض الباحثين أن مجلس الأمة مطالب بتطوير أدائه، وبخاصة وأن مجمل الأزمات السياسية والدستورية التي عرفها المشهد السياسي الكويتي، جاءت نتيجة خلافات حول قضية بعينها أو موقف محدد، وليس حول سياسة عامة أو استراتيجية طويلة الأمد تتعلق بمصالح الدولة أو ثوابتها؛ كما أن الأداء البرلماني تميز باقتصاره على مجال الرقابة أكثر منه على مستوى بلورة السياسات العامة وصناعة التشريع(11).

ثانيا: إمكانيات نفطية في خدمة المجتمع والسلم

كان الدخل الفردي في الكويت خلال مرحلة ما قبل اكتشاف النفط متدنيا، وبخاصة وأن اقتصاد البلد كان متواضعا ويعتمد في مجمله على صيد اللؤلؤ والأسماك.

ومع اكتشاف النفط بدأت الأحوال الاقتصادية والاجتماعية في التحسن، حيث عرف اقتصاد البلاد مع هذه الثورة النفطية تطورا كبيرا..

 وقد بدأت شركة النفط الكويتية بالتنقيب عن النفط داخل البلاد فور حصولها على الامتياز في عام 1934.. وفي سنة 1938 كان للكويت موعد مع اكتشاف ثاني أكبر حقل بترول في العالم- حقل برقان الحاوي على 65 مليار برميل-، ويشكل هذا الأخير إلى جانب حقل الغوار من بين أكبر الحقول النفطية المكتشفة لحد الآن؛ فقد احتويا معا على ما يقرب من 10 بالمائة من مجمل الرصيد البترولي الذي تم العثور عليه (مع العلم أن عدد حقول البترول، التي تم اكتشافها في العالم أجمع، قد زاد على 43 ألفا)(12).

 ولكن عمليات التنقيب توقفت بعد ذلك؛ نتيجة نشوب الحرب العالمية الثانية؛ غير أنه بمجرد أن وضعت هذه الحرب أوزارها في سنة 1945؛ استأنفت عمليات استخراج البترول، وفي يونيو 1946 تم تصدير أول شحنة من نفط الكويت ومقدارها 97350 طنا؛ ومنذ ذلك الحين أخذ إنتاج النفط في الكويت يتزايد بثبات(13)؛ حيث وصل الإنتاج بعد أربع سنوات إلى 7 ملايين برميل؛ وما بين سنتي (1951 - 1954) وصل إلى حوالي 47 مليون طن سنويا، وفي عام 1968 بلغ الإنتاج إلى 143. 125. 886 برميلا(14).

وقد ارتبط قطاع النفط خلال هذه الفترة بالسياسات التي تسير فيها شركات النفط الأجنبية، وكذلك بالوضع السياسي القائم في مختلف البلدان المنتجة للنفط؛ وقد استمرت هذه الحالة حتى منتصف الستينيات ومطلع السبعينيات، عندما اتخذ المجلس النيابي الكويتي لنفسه دورا في رسم السياسة النفطية للبلاد، كما استطاعت الحكومة الكويتية بالتالي التوصل إلى "اتفاقية المشاركة" التي مكنتها في 1974 من شرا

المزيد


إدراة الأزمات في عالم متحول

مارس 9th, 2007 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , دراسات منشورة للباحث

منشور بمجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، عدد 287 بتاريخ 1-2003

 إدارة الأزمات الدولية في عالم متحول

مقاربة للنموذج الأمريكي في المنطقة العربية

د.إدريس لكريني

اجتاحت تقنية إدارة الأزمات حقل العلاقات الدولية بقوة، بعدما ظل ينحصر استخدامها في مجالات الاقتصاد والإدارة لمدة طويلة، ولا غرابة في ذلك ما دامت هذه الوسيلة التي تتركز في مجمل الاجتهادات والمواقف وردود الأفعال المستندة بدورها إلى مقومات علمية وقانونية بغرض احتواء أزمة معينة، وهي أنجع وسيلة لاحتواء وتطويق المنازعات والأزمات وأقلها تكلفة.

وإذا كانت فترة الحرب الباردة التي شهدت أزمات دولية خطيرة كادت أن تفضي بالعملاقين (الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية) إلى مواجهات عسكرية مباشرة تعصف بالاستقرار العالمي (أزمة كوريا، أزمة الصواريخ الكوبية، أزمة برلين…) قد تميزت إجمالا بسهولة إدارة الأزمات نظرا إلى كون غالبيتها جاءت نتاجا للصراع بين الشرق والغرب, وتمكن الطرفين من تطويقها في إطار سياسة الردع المتبادل والمفاوضات الثنائية نظرا لغياب قوى دولية منافسة وفعالة حينئذ ونتيجة للشلل الذي أصاب الأمم المتحدة عامة ومجلس الأمن الدولي على وجه الخصوص بسبب الإقبال الكثيف على استعمال حق الاعتراض, فإن الأمر أضحى في غاية التعقد والصعوبة في عالم ما بعد الحرب الباردة مع بروز أزمات وصراعات متميزة لم تكن مألوفة في مجملها من قبل, كتلك المرتبطة بالصراعات الإثنية والقبلية الداخلية أو الناتجة عن تزايد المطالبة بالتغيير الديموقراطي واحترام حقوق الإنسان…

وفي هذه الفترة بالذات تشكلت رغبة دولية لتفعيل الأمم المتحدة بصفة عامة ومجلس الأمن الدولي على وجه الخصوص في مجال المحافظة على السلم والأمن الدوليين بعد حوالي نصف قرن من الشلل. وموازاة مع هذه التحولات الناتجة عن رحيل الاتحاد السوفيتي, خلا الجو للولايات المتحدة لبسط هيمنتها على الساحة الدولية, دشنتها بالتبشير "بنظام دولي جديد" قوامة السلام والعدالة والطمأنينة والديموقراطية واحترام حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب…

إن الوسائل الدولية لإدارة الأزمات متعددة ومتباينة وتتنوع إلى وسائل ديبلوماسية (المفاوضات، المساعي الحميدة والوساطة، التحقيق، التوفيق، عرض المنازعات على المنظمات الدولية والإقليمية…) وقانونية (التحكيم الدولي والقضاء الدولي) وزجرية (الضغوطات الاقتصادية من حظر وحصار ومقاطعة وتجميد للأموال أو حجزها في الخارج، أو سياسية وديبلوماسية أو اللجوء إلى القوة العسكرية كخيار أخير…)، ولقد عددت المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة في فقرتها الثانية مختلف هذه الوسائل (1)، كما نص الميثاق في مواضع أخرى منه على وجوب عرض النزاع إذا استعصى حله بإحدى هذه الوسائل المذكورة سابقا، على الهيئة الدولية لتوصي بما تراه مناسبا بشأنه، كما بينت الاتفاقيات الدولية الكبرى التي أبرمت منذ مؤتمر لاهاي لإقرار السلام الكثير من هذه الوسائل وما يتصل بها من إجراءات وأحكام، فتكلمت اتفاقية لاهاي الأولى سنة 1907 عن الوساطة والمساعي الحميدة والتحقيق والتحكيم (2)، وسرد النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية كل ما يتصل بالسبل القضائية, وعالجت معاهدة التحكيم العامة المبرمة في جنيف سنة 1928 موضوع التوفيق، كما تعرضت أيضا للقضاء والتحكيم.

إن الظرفية الدولية التي أعقبت سقوط المعسكر الشرقي مكنت الولايات المتحدة من تبوأ مكانة متميزة ضمن إدارة الأزمات الدولية التي تدخل ضمن استراتيجيتها وذلك بالنظر إلى امتلاكها لمقومات عسكرية واقتصادية وتكنولوجية هامة لم تجتمع لغيرها، تمكنها من ذلك.

والمنطقة العربية التي تتميز بإمكانياتها النفطية ومواقعها الإستراتيجية وبتعدد أزماتها ونزاعاتها المتباينة (داخلية، دولية وإقليمية، ذات طابع سياسي، اقتصادي وعسكري…) وأمام تواضع جامعة الدول العربية في احتواء هذه الأزمات وهزالة حصيلتها في هذا المجال، شكلت فضاء خصبا لتجريب الدور الأمريكي في احتواء الأزمات في عالم ما بعد الحرب الباردة.

فما هو مفهوم إدارة الأزمات الدولية؟ وما هي المقومات التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في إدارة هذه الأزمات؟ وكيف تعاملت هذه الأخيرة مع الأزمات العربية؟

أولا: في مفهوم الأزمات الدولية

إن بروز خلافات وصراعات ومواجهات بين الدول تشكل تحديا حقيقيا يواجه أصحاب القرار يعد أمرا طبيعيا نظرا لتضارب المصالح في المجتمع الدولي.

وتأتي إدارة الأزمات كوسيلة لدرء وتلافي المواجهات العسكرية الوخيمة العواقب، وهي تقنية قديمة اعتمدت على سبل تقليدية كالمفاوضات تم تطويرها في العقود الأخيرة لتعتمد طرقا فنية وتقنيات عالية الدقة والفعالية، والغاية من إدارة الأزمات هو تجنب حدوث مواجهة عسكرية قد لا يتوقعها أطراف النزاع عند بداية الأزمة. وتقنية إدارة الأزمات لها قواعدها وضوابطها وهي في هذا الجانب علم، ولكن تطبيق هذه القواعد بما يتواءم والظروف الضاغطة والمتقلبة والمواقف المفاجئة والمتسارعة التي يفرضها الأطراف يتوقف على قدرة خلاقة لصاحب القرار أو مدير الأزمة، ولذلك فهي من هذه الناحية فن يتعلق بموهبة القيادة التي لا يمكن أن تكتسب بالمعرفة أبدا وإن كانت المعرفة تصقلها وتهذبها وتعمقها (3) وللحديث عن إدارة الأزمة يلزمنا في البداية التطرق لمفهوم الأزمة وتمييزها عن بعض المفاهيم المماثلة الأخرى.

يعود اصطلاح الأزمة « Crise » إلى الفكر اليوناني القديم الذي يقصد بها نقطة تحول في الأمراض الخطيرة والقاتلة والتي تؤدي عادة إلى الموت المحقق أو الشفاء التام، كما ورد استخدام هذا المصطلح باللغة الصينية في شكل كلمتين « Wet-ji » أولاهما تعبر عن الخطر والثانية عن الفرصة التي يمكن استثمارها لدرء الخطر من خلال تحويل الأزمة وما تنطوي عليه من مخاطر إلى فرص لإطلاق القدرات الإبداعية لاستثمار هذه الأزمة كفرصة لإعادة صياغة الظروف وإيجاد الحلول البناءة (4).

كما تعني الأزمة في المعجم الوسيط: الشدة والقحط، أما في المنجد فإن أصل الكلمة مشتق من: زأم زأما زؤوما أي مات سريعا، هذا عن المعنى الاصطلاحي، أما من حيث دلالاتها الدولية، فهناك مجموعة من التعريفات التي وردت في هذا الشأن، فتريكسا (TRIKSA) يعتبرها ذلك التكثيف الشديد لطاقات الاختلال وعدم الاستقرار داخل النظام الدولي، فيما يعرفها كل من وينر « WINER » وكاهن « KAHN » بأنها تشتمل على قدر من الخطورة المفاجئة وغير المتوقعة، أما بولدنج (BOULDING) فيرى بأنها بمثابة نقطة تحول أو حد فاصل بين وضعين(5)، أما أمين هويدي فيعرفها "سواء كانت عالمية أو إقليمية، بأنها مجموعة من التفاعلات المتعاقبة بين دولتين أو أكثر تعيش في حالة صراع شديد يصل أحيانا إلى احتمال عال لنشوء الحرب ووقوعها، وفيها يواجه صاحب القرار موقفا يهدد المصالح العليا للوطن ويتطلب وقتا قصيرا للتعامل مع هذا الموقف باتخاذ قرارات جوهرية(6).

أما بالنسبة لمايكل، س، لوند فتعني: "مواجهة متوترة بين قوات مسلحة معبأة ومتأهبة, وقد تشتبك مع بعضها في تهديدات ومناوشات على مستوى منخفض من آن لآخر، ولكنها لم تستخدم أي قدر كبير من القوة العسكرية (7).

ويعرفها آخرون بكونها، "مرحلة الذروة في توتر العلاقات في بيئة استراتيجية وطنية أو إقليمية أو دولية، بحيث يصبح أطراف تلك العلاقات قاب قوسين أو أدنى من الحرب"(8).

في حين هناك من يعتبر أنها "بمثابة حالة عصبية مفزعة مؤلمة تضغط على الأعصاب وتشل الفكر وتحجب الرؤيا، تتضارب فيها عوامل متعارضة وتتداعى فيها الأحداث وتتلاحق وتتشابك فيها الأسباب بالنتائج وتتداخل الخيوط ويخشى من فقد السيطرة على الموقف وتداعياته وآثاره ونتائجه…فهي خلل يؤثر تأثيرا حيويا يعرض المتعرض لها سواء أكان فردا أو كيانا أو حتى دولة لحالة من الشتات والضياع، تهدد الثوابت التي يقوم عليها"(9).

أما الأستاذ عباس رشدي فيرى أن "الأزمة هي مرحلة متقدمة من مراحل الصراع، والصراع في أي مظهر من مظاهره وعلى أي نطاق من نطاقاته، بدءا من داخل النفس البشرية وانتهاء بالصراعات الدولية"(10).

ويضيف بأن أشكال الصراع مختلفة الأسباب والدوافع، أما الصراع الدولي فيعرفه بكونه: "ذلك التفاعل الناجم عن المواجهة والصدام بين المصالح والمعتقدات والبرامج وغير ذلك من الكيانـات المتنازعة " (11). ويضيف أيضا بأن الأزمة وباستثناء الأزمات الطبيعية (زلازل، براكين…) هي فعل أو رد فعل إنساني يهدف إلى توقف وانقطاع نشاط من الأنشطة أو زعزعة استقرار وضع من الأوضاع بهدف إحداث تغيير في النشاط أو الوضع لصالح مدبره"(12).

وبذلك تختلف الأزمة عن الحرب التي تعرف بأنها تلك المواجهة العسكرية التي تتم بين طرفين دوليين أو أكثر لفترة طويلة أو قصيرة باستخدام قوات مسلحة منظمة وتسفر عن ضحايا.

أما عن الأسباب التي تقف وراء نشوب الأزمات فهي متعددة ويمكن إجمالها في:

وجود بؤرة خلاف لم تحسم رغم مرور الوقت.

وجود حالة من تعارض المصالح والأهداف بين الدول.

تنامي الإشاعات بين الدول(13).

بروز أزمات مدبرة ومخطط لها بهدف تحقيق أهداف استراتيجية معينة (14).

الأخطاء البشرية الناجمة عن سوء الفهم وسوء التقدير أو سوء الإدارة إلى جانب اليأس.

الميل إلى استعراض القوة من قبل دولة تجاه دولة أخرى قصد ابتزازها وإحراجها.

خرق الدول للاتفاقيات القائمة بينها.

وعموما يمكن إجمال أهم مميزات الأزمة الدولية فيما يلي:

هي محطة تحول حاسم غالبا ما تتسم بالفجائية في نسق داخلي أو دولي تهدد مصالح دولية معينة، وتثير نوعا من الذهول والحرج لدى القوى المعنية بها.

تتسم بالتعقيد والتشابك في عناصرها وأسبابها وتستقطب اهتماما كبيرا وتثير نوعا من الخوف.

تتطلب جهدا كبيرا لمواجهتها، لتلافي تطوراتها السلبية التي قد يمتد خطرها للمستقبل.

تضع صانعي القرار في محك حقيقي، بحيث تتطلب اتخاذ قرارات وإجراءات سريعة وراجحة.

هي نتاج لتراكم مجموعة من التأثيرات السابقة والتي لا يتم حسمها(15).

تطرح نوعا من الارتباك والشك في الخيارات المطروحة عند التعامل معها خاصة في غياب معلومات دقيقة وكافية حولها.

قد تخلق حالة من التوتر العالمي خلال فترة زمنية قصيرة في ظل العلاقات الدولية المتشابكة حاليا (16).

بقي أن نشير إلى أن لكل أزمة دولية طرفان: الأول هو الذي خرج عن الوضع السلمي الطبيعي القائم مع الطرف أو الأطراف الأخرى ويعرف بمفجر الأزمة, بينما الطرف الثاني فهو الذي تستهدفه الأزمة ويفترض فيه أنه هو الذي يواجهها.

ثانيا: في مفهوم إدارة الأزمات الدولية

إذا كانت الأزمة – كما رأينا- هي حالة يمكن أن توصف بالاقتراب من خروج الأمور عن نطاق التحكم والسيطرة، فإن مواجهتها ينبغي أن تتم بسرعة وبطرق ذكية وإجراءات رشيدة لتفادي تطور المواقف إلى نزاع مسلح مباشر، وهي العملية التي  تدخل في إطار ما يسمى بإدارة الأزمات التي يعرفها أحد الباحثين بكونها: "كيفية التعامل والتغلب على الأزمة بالأدوات العلمية المختلفة وتجنب سلبياتها والاستفادة منها مستقبلا(17).

فيما ينظر البعض الآخر إلى الأزمة في السياسة الدولية باعتبارها "محاولة لموازنة المجابهات أو المنازعات بقصد الحفاظ على المصالح المشتركة دون اللجوء للحرب(18).

إن ظهور الأزمة للوجود يضع الطرف الذي يواجهها أمام هدفين أو مطلبين: الأول، هو حماية المصالح والأوضاع القائمة بأقل تكلفة مادية وبشرية، والثاني هو العمل قدر المستطاع  على تجنب الدخول في غمار مواجهة عسكرية مكلفة.

ورغم أن بعض المفكرين متشائمون حيال احتمال تحقق تطور نظري يعزز تقنية إدارة الأزمات في ظل العراقيل البيروقراطية والتنظيمية خلال بروز الأزمة مما قد يؤثر سلبا على اتخاذ القرارات بشكل عقلاني(19)، فإن هذه العملية يمكن أن تستمد نجاعتها وفعاليتها من قوة الطرف الذي يدير الأزمة وتناسق استراتيجيته في هذا الصدد من خلال:

طرح الهدف ومحاولة السيطرة على الأفعال الصادرة عن الأطراف أو الطرف المعتدي وردود أفعال الطرف الآخر أو الأطراف الأخرى.

مرونة القرار السياسي وملاءمته للأهداف البديلة المرسومة.

توفير البدائل والخيارات، وتجنب العقبات التي قد تبرز.

ترك هامش للتحركات السياسية تضمن "حفظ ماء الوجه" لدى الخصم(20).

ومن جهة أخرى يتطلب إنجاح هذه العملية دراسة الأزمة على ضوء عناصرها الموضوعية وأسبابها الحقيقية، وعدم الاكتفاء بإلقاء مسؤولية بروزها على عاتق الخصم، ومحاولة تبرئة الذات من ذلك، لأن نجاح هذه الإدارة لا يتحقق بالدفاع عن الذات وتبرئتها وتحميل عاتق الخصم المسؤولية كاملة، خصوصا وأن ذلك يمكن أن يزيد من تعنت الطرف الآخر ويؤدي بالطبع إلى طريق مسدود (21).

إن النتائج التي تقود إليها أية أزمة هي الحرب أو التسوية السلمية، وهذه النتائج لا تستند إلى مصادفات بقدر ما ترتكز سلبا أو إيجابا إلى المقومات الشخصية لمدير الأزمة من ناحية وإرادته ومدى كفاءة أو رداءة استراتيجيته المتبعة في إدارة هذه الأزمة(22).

ثالثا: دور القوة العسكرية والمعلومات في إدارة الأزمات الدولية

إن إدارة أية أزمة دولية بشكل فعال يتطلب إمكانيات بشرية ومادية وعسكرية وسياسية…مهمة, لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل يمكن توظيف القوة إلى جانب الديبلوماسية في إدارة الأزمات الدولية؟ أم أن من شأن ذلك تعميق الأزمة والإسراع بإشعال الحرب غير المرغوب فيها؟

من الحقائق الثابتة في علم العلاقات الدولية أن القوة أداة للديبلوماسية، وبذلك فإن "جزءا من إدارة أية أزمة هو بلورة وسائل وسياسات وضغوط أخرى أمنية تجعل الذي يفكر في الاعتداء يتردد"(23).

ويعتقد بعض الباحثين أن الممارسة الدولية تؤكد على ضرورة استعمال القوة العسكرية لردع الخصم أثناء تصعيد الأزمة مع تجنب العمليات التي يمكن أن يفسرها الخصم بأنها استعداد لأعمال قتالية(24). كما أن ميثاق الأمم المتحدة ورغم أنه حرم اللجوء إلى القوة أو التهديد باستخدامها في العلاقات الدولية, خول لمجلس الأمن التدخل عسكريا في إطار نظام الأمن الجماعي وذلك في حالة تطور الأزمات والمنازعات الدولية  بشكل يهدد السلم والأمن الدوليين، خصوصا بعد استنفاذ محاولات إدارة الأزمة سلميا, أو عبر الضغوطات غير العسكرية (المادة 42 من الميثاق) وسمح للدول ممارسة حقها في الدفاع الشرعي الفردي أو الجماعي عن النفس (المادة 51 من الميثاق الأممي).

فهناك ضرورة للمزج في هذا الإطار بين سياسة الترغيب والمساومة والمفاوضات عن طريق تقديم العروض والتنازلات لحمل الخصم على وقف الإثارة من جانبه أو لإرغامه على القبول والإذعان للمطالب المرجوة من ناحية، والترهيب الذي يتم عبر استخدام القوة والأعمال الزجرية غير العسكرية الأخرى أو التهديد باستعمالها من ناحية ثانية، وبخاصة وأن للقوة أهميتها –أحيانا- في الدفاع عن المصالح المهددة بأقل ما يمكن من الخسائر المادية والبشرية، مع الاحتفاظ بقنوات الاتصال مفتوحة - طبعا-, وتجنب الارتجال في اتخاذ القرارات للحؤول دون إقدام الطرف الآخر على القيام بعمل عسكري قد يفشل إدارة الأزمة تماما(25). وفي نفس السياق يشير البعض إلى أن الكلام الذي لا يستند إلى إمكانيات حقيقية عديم التأثير على طرف يجيد حساباته (26).

والجدير بالذكر أن عنصر الردع الذي يعرف بالتهديد باستخدام السلاح دون استعماله فعليا, أسهم بشكل كبير وفعال في إدارة العديد من الأزمات بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة خلال فترة الحرب الباردة، وإذا كان الردع وسيلة معهودة استخدمت على نطاق واسع في إدارة الأزمات بين القوى الدولية الكبرى في إطار "توازن الرعب"، فإن هذه الأخيرة – حاليا- قد تلجأ مباشرة وبسهولة إلى استعمال القوة العسكرية في إدارة الأزمات التي تكون الدول الضعيفة طرفا رئيسيا فيها إلى جانبها.

فمدير الأزمة قد يلجأ إلى التهديد باستعمال القوة أو استخدامها فعلا إذا كان توازن القوة في صالحه، بحيث يجد نفسه مضطرا إلى اختيار الممكن من بين عدة بدائل قد تكون صعبة وسيئة بناء على منطق معادلة الربح والخسارة.

وإذا كانت فترة الحرب الباردة قد شهدت استثمارا للقوة في إدارة العديد من الأزمات الدولية عبر سياسة الردع، فقد أصبح واضحا أن استخدامها حاليا هو أكثر سهولة وكثافة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها بعد اختفاء تحدي المعسكر الشرقي.

وإلى جانب أهمية القوة في إدارة الأزمات، نجد المعلومات أيضا والتي يجب تمييزها عن الأخبار والآراء التي قد لا تتسم في غالب الأحيان بالاستقرار والمصداقية وبالخصوص مع تطور وسائل الإعلام ومبالغتها في تضخيم

المزيد


تطور المسألة الأمازيغية في المغرب

فبراير 10th, 2007 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , دراسات منشورة للباحث

تطور المسألة الأمازيغية في المغرب

 

 د.إدريس لكريني

أستاذ الحياة السياسية (كلية الحقوق، مراكش، المغرب)

 مقدمة

 تتميز هوية المجتمع المغربي بتركيبتها المتعددة؛ سواء على مستوى الأصول أو المرجعيات؛ وذلك في بعدها الإسلامي والأمازيغي والعربي.

 وقد لعب عامل الموقع الجغرافي للمغرب في الشمال الإفريقي كمركز لعبور واستقرار أجناس من مختلف الحضارات والثقافات.. دورا كبيرا في إثراء هذه الهوية وتنوعها.

  ويشكل السكان الأمازيغ الذين استقروا في بلاد المغرب منذ زمن بعيد، مكونا رئيسيا ضمن مكونات المجتمع المغربي، وأسهم الدين الإسلامي بشكل كبير في تمتين علاقات التعايش والتفاعل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي بين هذه المكونات، ذلك أن هذا التنوع لم يمنع على امتداد التاريخ من النضال والدفاع عن قضايا مشتركة كالدين والوطن.. وهو ما يفسر وجود عدد من مؤسسي الدول التي قامت في المغرب والذين عملوا على نشر الإسلام في مختلف المناطق، وأسهموا في العديد من الفتوحات التاريخية؛ ينحدرون من أصول بربرية (المرابطون، الموحدون، المرينيون).

وفي سياق التحولات السياسية التي يشهدها المغرب منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي، وأمام تزايد مطالب الحركة الأمازيغية، تم اتخاذ مجموعة من التدابير والمبادرات التي همت المسألة الأمازيغية التي كان من أهمها إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية..

وقد خلفت هذه الخطوات ردود فعل متباينة في صفوف الحركة الأمازيغية؛ وأسهمت بشكل كبير في بروز نقاشات فكرية وأكاديمية واسعة..

     

أولا: التنوع المجتمعي والممارسة الديموقراطية

يعتبر التعدد العرقي واللغوي والديني  والثقافي.. من الظواهر الإنسانية المعهودة التي تتقاسمها العديد من المجتمعات(الأكراد في سوريا والعراق وتركيا، النوبة في السودان ومصر، الطوارق في مالي والنيجر؛ الباسك في إسبانيا، الكروات والسلوفينيين..في يوغوسلافيا؛ السيخ والأساميين والتيبواس.. في الهند والبربر في شمال إفريقيا وفي السودان وفي جزر الكناري وسردينيا وصقلية ومالطة وقوصرة والأندلس..ففي القارة الإفريقية التي يزيد عدد الدول فيها عن الخمسين؛ تتعايش حوالي 2200 إثنية متميزة بلغاتها وثقافتها..، وفي آسيا التي تحتضن أكثر من ثلاثة ملايير من البشر؛ يوجد أكثر من 2000 إثنية متباينة في اللغة والدين والعادات والتقاليد؛ وعلى المستوى العالمي هناك حوالي 8000 إثنية و6700 لغة.

وقد أكدت التجارب والممارسات الميدانية أن درجة انصهار وتعايش مختلف هذه الأجناس داخل المجتمع الواحد؛ تظل في جانب مهم منها متوقفة على طبيعة التعامل الذي تسلكه السلطات السياسية والاجتماعية نحوها؛ فالنأي عن العدالة والحرية والديموقراطية يحرض   مختلف المكونات الاجتماعية على الاختباء خلف الخصوصية والميل نحو الانغلاق عن المحيط العام والبحث عن مشاريع بديلة خاصة بها؛ مما يفضي إلى مظاهر من الصراع والاضطراب والتعصب والانقسام؛ فيما التشبث بهذه القيم والمبادئ يكرس الوحدة الوطنية ويدفع نحو التعايش والاندماج.

إن التنوع بشتى مظاهره(الثقافية، الإثنية، الدينية، اللغوية..) يحتمل وجهين: الأول؛ إيجابي وذلك بالنظر للدور الهام الذي يمكن للتعدد أن يسهم به في تحصين وتقوية كيان الدولة؛ إذا كانت تستوعب أهمية هذه التعددية وتكرسها ميدانيا، والثاني؛ سلبي لما يمكن أن يشكله من خطر على استقرار الدولة ووحدتها، وبخاصة داخل الدول التي تتميز فيها مقاربة هذا الملف بالعقم والانحراف.

فالحيف والتهميش والإقصاء الذي يمكن أن يطال أحد مكونات المجتمع؛ سيؤدي حتما إلى تدهور التضامن الداخلي وتهديد وحدة المجتمع؛ ويسبب في بروز أزمات اجتماعية وسياسية، ويستثمر أيضا من قبل بعض القوى الخارجية المترصدة، في شكل مؤامرات قد تعصف بالاستقرار الداخلي للدول الضعيفة(برز ذلك بشكل جلي خلال أحداث أبريل 2001 بالجزائر عندما اعتبر وزير الخارجية الفرنسي آنذاك "أن فرنسا لا يمكنها أن تظل صامتة بصدد ما يقع من قمع وعنف في الجزائر").

في حين؛ فالممارسة الديموقراطية واعتماد العدالة بأبعادها السياسية والاجتماعية والثقافية؛ تشكل مدخلا كفيلا بتدبير المشاكل والاختلافات، وضمانة للتعايش المجتمعي والوحدة الوطنية؛ وبتحصين المجتمع ضد أية مؤامرات خارجية.

وإذا كانت بعض الدول قد استطاعت أن تتوفق إلى حد كبير في تدبير التعددية الثقافية واللغوية والدينية والعرقية.. في مجتمعاتها؛ مثلما هو الشأن بالنسبة لبلجيكا وفرنسا..؛ فإن دولا أخرى شهدت انفجارا للصراعات العرقية والدينية.. بالشكل الذي عكس قصورا واضحا في تدبير هذا الملف(الاتحاد اليوغوسلافي السابق، رواندا، الصومال..)، فيما تحاول دول أخرى إيجاد حلول لهذه المسألة من خلال تدابير وإجراءات تتباين في مظاهرها وفعاليتها من منطقة إلى أخرى؛ وبخاصة في ظل التحولات المتسارعة التي شهدتها الساحة الدولية في العقود الأخيرة؛ نتيجة لانهيار المعسكر الشرقي وانتقال مجموعة من القضايا الداخلية إلى دائرة الاهتمام الدولي(حقوق الإنسان، تلوث البيئة، الهجرة..).

وقد كان المغرب باعتباره يتميز بتنوع مجتمعه، من ضمن البلدان التي انخرطت خلال العقود الأخيرة في تبني سياسات وإجراءات تصب باتجاه إيجاد حلول تكفل الاندماج لمكوناتها الاجتماعية.

 وهكذا تم تعديل الدستور؛ حيث أكد في ديباجته على احترام حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها دوليا؛ ونظمت انتخابات تشريعية حملت أحزاب من المعارضة إلى الحكم، وتم سن مجموعة من التشريعات كمدونة الأسرة ومدونة الشغل وقانون الأحزاب.. وإحداث مجموعة من المؤسسات(المحاكم الإدارية، المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وزارة خاصة بحقوق الإنسان، والي المظالم، هيئة التحكيم، هيئة المصالحة والإنصاف، المجلس الاستشاري لشؤون الصحراء..) وأطلق سراح العديد من المعتقلين السياسيين وسمح للمنفيين بالعودة إلى وطنهم..

ومما لا شك فيه أن هذه التحولات والإصلاحات التي طالت المشهد السياسي والقانوني أثرت بالإيجاب في مسار المسألة الأمازيغية بالمغرب.

ثانيا: السياق التاريخي للحركة الأمازيغية بالمغرب

منذ دخول الإسلام إلى بلاد المغرب، عرف المجتمع المغربي تعايشا وتواصلا بين العرب والأمازيغ، حتى أن الملوك المغاربة وعلى امتداد تاريخ البلاد دأبوا على الزواج من نساء أمازيغيات كسبيل لكسب ولاء هذه القبائل وتكريس هذا التعايش وهكذا "تبربر العديد من العرب وتعرب العديد من الأمازيغ".

 وقد أسهم الإسلام بتعاليمه ومبادئه السمحة في تكريس وبلورة هذا التعايش(1)، والتاريخ يشهد أن الأمازيغ كانوا من أشد المدافعين عن الإسلام، كما قاوموا الاحتلال الأجنبي بضراوة.

ومع فرض الاحتلال الفرنسي على المغرب سنة 1912 وفي سياق جهوده لتعزيز قبضته على البلاد؛ حاول المستعمر اتباع سياسة التفرقة بين العرب والأمازيغ، من خلال تبني خطاب تحريضي يعتمد إثارة النعرات القبلية والإثنية، حيث عمل على عزل المناطق البربرية عن إدارة السلطان من جهة وعن التقاضي وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية من جهة أخرى، وهكذا أصدر الظهير البربري بتاريخ 16 مايو 1930؛ الذي جعل إدارة المناطق البربرية خاضعة لسلطة الإدارة الاستعمارية؛ وقضى بإنشاء محاكم تعتمد في أحكامها على العرف والعادات والأعراف المحلية للبربر؛ وإحلال قانون العقوبات الفرنسي محل قانون العقوبات المغربي المستند إلى الشريعة الإسلامية، فيما نص على بقاء المناطق العربية الأخرى خاضعة لإدارة السلطان.

وهذه السياسة تنسجم إلى حد كبير مع التصور الفرنسي الذي يعتبر بأن الأمازيغ ذوو ميول علماني؛ باعتبارهم جزءا من الثقافات الآرية ذات الأصول الأوربية. 

 غير أن المجتمع المغربي تنبه بكل فئاته إلى هذا الخطر الذي أصبح يهدد كيانه ووحدته؛ حيث انطلقت المظاهرات بشكل تلقائي على امتداد أنحاء مختلفة من البلاد؛ مستنكرة هذه السلوكات؛ ورفعت شعارات من قبيل: "اللهم يا لطيف نسألك اللطف فيما جرت به المقادير لا تفرق بيننا وبين إخواننا البرابر". وقد كان الأمازيغ في مقدمة من رفض هذه السياسة؛ وهو ما أفشل مطامح الاحتلال.

ومع حصول المغرب على استقلاله سنة 1956 وبسبب الانشغال بسياسة تعريب قطاعات التعليم والقضاء والإدارة وبناء ومغربة المؤسسات..؛ هذا بالإضافة إلى طبيعة النخبة المغربية التي كانت في غالبيتها مشدودة نحو المشرق العربي؛ واعتبار بعض المطالب الأمازيغية تهديدا للوحدة الوطنية؛ ظلت الثقافة الأمازيغية شبه مغيبة ضمن سياسات الدولة لسنوات..

وقد رافق ذلك بروز مناطق قروية واسعة يسكنها الأمازيغ في الأطلس والريف مهمشة وتفتقر لأدنى المرافق وللبنيات التحتية؛ بفعل غياب مقاربة اجتماعية واقتصادية من الدولة في هذه المناطق(2).

وفي سنة 1958 وكخطوة منها للحد من تنامي قوة حزب الاستقلال، عملت الدولة المغربية على تشجيع قيام حزب "الحركة الشعبية" في منطقة الأطلس المتوسط المعروفة بسكانها الأمازيغ.

ووافقت لجنة التعليم بالبرلمان على إنشاء معهد للدراسات والأبحاث حول اللغة الأمازيغية، في أواخر السبعينيات من القرن المنصرم؛ غير أن هذا المشروع لم يعرف طري

المزيد


تطور السياسة الخارجية المغربية إزاء قضية الصحراء

فبراير 10th, 2007 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , دراسات منشورة للباحث

منشور بمجلة التاريخ العربي، جمعية المؤرخين المغاربة، عدد 35، صيف 2005

تطور السياسة الخارجية المغربية إزاء قضية

الصحراء

 

د. إدريس لكريني- أستاذ باحث, كلية الحقوق, جامعة القاضي عياض, مراكش

 مقدمة:

احتلت قضية الصحراء المغربية مكانة مهمة ومتميزة ضمن أولويات السياسة الخارجية المغربية, بالشكل الذي أثر بشكل كبير على الملامح الكبرى لهذه السياسة, منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي.

 و قد تميزت هذه السياسة إجمالا بالاعتدال والانفتاح, وتبلور هذا الاعتدال في العديد من المناسبات الإقليمية والدولية, ونذكر في هذا السياق: الموقف المغربي الرسمي من حرب الخليج الثانية ومن قضية الشرق الأوسط.. ويبدو انفتاح السياسة الخارجية المغربية من خلال التفاعل مع المتغيرات الدولية سواء على المستوى الاقتصادي المرتبط بمحاولات تفعيل الاتحاد المغرب العربي ونسج علاقات اقتصادية مع مختلف القوى الدولية كالاتحاد الأوربي والولايات المتحدة التي تمكن من عقد اتفاقية منطقة التبادل الحر معها والسياسي عبر الانخراط في بناء مجتمع حداثي وديموقراطي, وذلك بعد تكليف عبد الرحمان اليوسفي بتشكيل الحكومة, وتوسيع هامش الحريات واحترام حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا(1), وكذلك من خلال نسجه لعلاقات ديبلوماسية مع مختلف الدول والمنظمات الدولية, ومساهماته الفعالة ضمن أنشطة هذه الأخيرة وانخراطه في الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق السلم والأمن الدوليين وإرساء التعاون مع مختلف الدول المشاركة في عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام في مختلف المناطق المتوترة في العالم ككوسوفو وهاييتي والكونغو.. وإلغاء حوالي 90 مليون دولار من ديونه المستحقة لصالح الدول الإفريقية الأكثر فقرا, خلال انعقاد القمة الإفريقية – الأوربية بالقاهرة في الثالث والرابع من أبريل لسنة 2000 (2) ورفع كل الحواجز الجمركية على الموارد المستوردة من هذه الدول.

 ومعلوم أن المرجعية الدينية للمغرب المرتبطة بالمذهب المالكي وكذلك الموقع الجغرافي الهام الذي يحتله أسهما بشكل كبير أيضا في بلورة هذه الخصائص التي تميز سياسته الخارجية.

رغم الجهود الكبيرة التي بذلت بصدد قضية الصحراء المغربية التي تحقق بصددها إجماع وطني انخرطت فيه كافة القوى السياسية, والنتائج المهمة التي تحققت في هذا الإطار, تميزت مقاربة هذا الملف في البداية بنوع من الانغلاق, حيث احتكرت وزارة الداخلية تدبيره, بالشكل الذي أضفى على هذه المقاربة طابعا أمنيا حال دون مساهمة العديد من الفاعلين الرسميين وغير الرسميين في إغنائه وتفعيله, وقد بدا واضحا قصور هذه المقاربة في أواخر التسعينيات عندما تبين وجود عدة دول على الهامش اقتنعت بطروحات الخصوم وتجاوبت معها بشكل مثير.

وبعد تولي المعارضة لعدة مناصب حكومية في أواخر التسعينيات في مرحلة أولى, واعتلاء الملك محمد السادس للحكم, بدا أن هناك حاجة ملحة لإحداث تغيير على السياسة الخارجية المغربية وبخاصة على مستوى تدبير هذا الملف الحساس, وهو ما تبلور على مستوى عدة واجهات.

أولا: مفهوم السياسة الخارجية

إن السياسة الخارجية هي كل السلوكيات السياسية الهادفة والناجمة عن عملية التفاعل المتعلقة بعملية صنع القرار الخارجي للوحدة الدولية, فالسلوك السياسي الخارجي لأية وحدة دولية هو عبارة عن حدث أو فعل ملموس تقوم به هذه الوحدة الدولية بصورة مقصودة وهادفة للتعبير عن توجهاتها في البيئة الخارجية(3), فيما يعرفها البعض الآخر بأنها: عبارة عن برنامج عمل للتحرك الخارجي, يتضمن تحديدا للأهداف التي تسعى الدولة إلى تحقيقها, والمصالح التي تحرص على تأمينها وصيانتها, والوسائل والإجراءات التي تراها ملائمة لذلك, وفقا لما تعتنقه من مبادئ ومعتقدات, ويضيف نفس الباحث أن رسم السياسة الخارجية تبدأ ببيان الأهداف التي تسعى الدولة إلى بلوغها وفق ما تؤمن به من معتقدات, وتنتهي بتحديد الوسائل والإجراءات الكفيلة بتحقيق تلك الأهداف, وتعتمد هذه العملية على عنصرين رئيسيين: المعلومات المتعلقة برسم السياسة الخارجية وصانعو تلك السياسة(4).

 أما الديبلوماسية التي عرفها قاموس أكسفورد بكونها: "إدارة العلاقات الدولية عن طريق المفاوضات, أو أسلوب معالجة وإدارة هذه العلاقات بواسطة السفراء والممثلين الدبلوماسيين", فهي لا تضع أسس السياسة الخارجية وإنما تنفذها, وتحاول أن توفر لها الوسائل اللازمة لتنفيذها وتحقيق أهدافها(5).

 وعلى مستوى بلورة هذه السياسة, فعادة ما يتم تقسيم الآليات الرسمية لصناعة السياسة الخارجية إلى مؤسسات داخلية وأخرى خارجية, فالأولى تتركز بالأساس في مؤسسة الرئاسة التي غالبا ما تحظى باختصاصات دستورية هامة في هذا الشأن( توقيع المعاهدات, اعتماد وبعث السفراء, الإشراف على المفاوضات الخارجية, التمثيل الخارجي للدولة..), ثم وزارة الخارجية باعتبارها الجهاز التنفيذي الذي يتولى تدبير الشؤون الخارجية للدولة ومتابعتها مع مختلف الفاعلين الدوليين (رعاية مصالح الدولة ورعاياها في الخارج, تمثيل الدولة في الملتقيات الدولية, تكريس التعاون مع مختلف الدول والمنظمات الدولية..).

أما الثانية, فتتركز أساسا في البعثات الديبلوماسية المنظمة بموجب اتفاقية فيينا الموقعة بتاريخ 18 أبريل 1961 والقنصلية المحددة بموجب اتفاقية فيينا الموقعة بتاريخ 24 أبريل 1963.

لقد أصبح من مهام الدبلوماسية الأساسية الخروج عن محيط العلاقة الثنائية التقليدية إلى محيط العمل لخير الإنسانية وازدياد التعاون الدولي وصيانة السلام واستقرار الأمن عن طريق تنمية العلاقات الاقتصادية والثقافية والعلمية, وشجب ما بين الأمم والشعوب من فجوات بين التقدم والتخلف في هذه الميادين.. ولهذا أصبح نمو هذه العلاقات وحجمها رهنا بما تحدده دبلوماسية كل دولة وسياستها الخارجية من اعتبارات.. وطبيعي أن تتطلب هذه المهام الجديدة إدراكا من جانب الدبلوماسي لظروف سير الحياة الدولية في عصره, ومدى قوة ونفوذ أو تأثير دولته في هذا المضمار(6).

وإذا كانت المفاوضات هي إحدى أهم التقنيات والوسائل الدولية لتسوية المنازعات وإدارة الأزمات الدولية(7) فإن فعالية هذه الأخيرة تظل رهينة بوجود مجموعة من المهارات والاعتبارات(8):

1 - التمرس التام بالأصول والممارسات والإجراءات الدبلوماسية الشفوية والكتابية.

2 - الفهم الكامل للمشكلة محل النزاع من حيث الخلفية والظروف والتطورات والنتائج المحتملة.

3 - الفهم التام لقدرات دولته ومدى قوتها وضعفها وما يمكن استخدامه من وسائل مباشرة في حل النزاع.

4 - الفهم الواضح لطبيعة الأساليب التي يمكن استخدامها في كافة مراحل المفاوضات.

5 - القدرة على إعطاء التنازلات والوصول إلى تسوية دون التفريط بالمصالح الحيوية لدولته.

6 - الإعداد الجيد للمفاوضات من خلال المعرفة اللازمة بالأساليب التفاوضية للدولة المضيفة.. والمعرفة اللازمة بالأوضاع الإقليمية والدولية القائمة عند التفاوض.. والمعرفة الواقعية بسلوك المفاوض الرئيسي الذي يمثل الدولة المضيفة..

7 - التمتع بالصبر والجلد والمرونة والنفس الطويل.

ثانيا: الفاعلون الأساسيون في حقل السياسة الخارجية المغربية

يبدو من خلال كتابات المتخصصين في هذا المجال, أن هناك رأيان متباينان: الأول تقليدي, يركز على الفرضية التي تعتبر أن السياسة الخارجية في المغرب تظل مجالا محفوظا للملك, انطلاقا من الأساس الدستوري الذي يمنحه مكانة متميزة في هذا السياق (الفصل 19 الذي يعتبر الملك بموجبه أميرا للمؤمنين و ممثلا أسمى للأمة ورمزا لوحدتها.. والفصل 24 الذي يتيح له إمكانية تعيين الوزير الأول.. والفصل 25 الذي بموجبه يرأس المجلس الوزاري, والفصل 30 الذي يمنحه صفة القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية والفصل 31 الذي بموجبه يعتمد السفراء لدى الدول والمنتظمات الدولية ويعتمد لديه السفراء وممثلي المنظمات الدولية, وتوقيع المعاهدات والمصادقة عليها - باستثناء تلك التي تترتب عنها أعباء مالية للدولة والتي تتطلب صدور قانون بصددها من قبل البرلمان-, ثم الفصل 74 المتعلق بإعلان حالة الحرب), وهي الإمكانيات التي تجعل من الملك ليس مجرد فاعل, بل في نفس الوقت محددا للسياسة الخارجية(9).

 والثاني, حديث ويعتمد رؤية واقعية وسياسية, ويرى بأن هناك شركاء آخرين يساهمون إلى جانب الملك في نسج السياسة الخارجية المغربية, كالوزير الأول ووزير الخارجية - وبخاصة بعد صدور مرسوم 20 يناير 1995 – وباقي الوزراء ومؤسسة البرلمان من خلال الديبلوماسية البرلمانية..

فالوزير الأول بموجب الدستور المغربي, يتحمل مسؤولية تنسيق النشاطات الوزارية (الفصل 65 من الدستور) عكس ما هو عليه الأمر في الدستور الفرنسي – مثلا – الذي ينص على أن الوزير الأول يقود عمل الحكومة, الأمر الذي يجعل منه فاعلا ثانويا في هذا الشأن الحيوي, غير أن هذا الأخير بإمكانه أن يؤثر بدوره بصفة فاعلة في بلورة القرارات ذات الطابع الخارجي عبر تحركاته الديبلوماسية في الخارج وكذا من خلال ترأسه للمجلس الحكومي.

 ويلاحظ أن هذه المؤسسة قد انتعشت في السنوات الأخيرة, وبخاصة بعد وصول المعارضة إلى الحكومة, حيث أسهمت في تطوير دور هذه المؤسسة على مستوى التأثير في مسار الديبلوماسية المغربية, سواء على المستوى الاقتصادي والتجاري أو على مستوى قضية الصحراء المغربية.

فقد قام الوزير الأول(عبد الرحمان اليوسفي) بعدد من الزيارات إلى مختلف الدول واستثمر علاقاته الخارجية, بالشكل الذي أسهم في تراجع حوالي 13 دولة عن اعترافها بالجمهورية الصحراوية المزعومة, علاوة على ذلك أسهم في تحسين صورة المغرب في كثير من دول العالم(10). 

وبناء على مرسوم 20 يناير 1995, أصبح وزير الخارجية يتمتع بمهام وسلطات لا تخلو من أهمية على مستوى مساهمته في بلورة السياسة الخارجية للدولة, فهو يتولى مهمة إعداد وتنفيذ عمل الحكومة في الميادين التي تهم علاقات المغرب الخارجية, وذلك من خلال:

توجيه العمل الديبلوماسي والقيام بتنمية التعاون الدولي وتنسيق جميع العلاقات الخارجية والحرص على التوفيق بينها وبين سياسة المغرب الخارجية(11).

ويمكن أيضا لباقي الوزراء التأثير في السياسة الخارجية للدولة في إطار بلورة الاتفاقات التي تعقد على المستوى الثنائي أو الجماعي والتي لها علاقة بالقطاعات التي يشرفون عليها, كوزارة المالية ووزارة الصيد البحري..

كما يمكن للبرلمان أن يلعب دورا ملموسا في صياغة هذه السياسة بموجب نصوص الدستور, سواء من خلال وسيلة التشريع القانوني المرتبط بالمصادقة على بعض الاتفاقيات أو إعمال الرقابة على النشاط الخارجي للحكومة.

 فالاتفاقيات والمعاهدات التي تترتب عنها أعباء مالية تتطلب موافقة البرلمان قبل مصادقة الملك عليها (الفصل 31 من الدستور), كما أن تقنيات ملتمس الرقابة أو سحب الثقة (الفصول: 75, 76, 77 من الدستور) وكذلك الأسئلة الشفوية والكتابية المتاحة لهذه المؤسسة في مواجهة الحكومة كوسيلة للرقابة.., تمكنها أيضا من المساهمة في صياغة السياسة الخارجية للدولة.

 ولقد ازداد دور البرلمان في صياغة هذه السياسة في ظل التغيرات الدولية والوطنية المرتبطة بتوسيع هامش المشاركة السياسية وتفعيل الديموقراطية وتزايد دور المجتمع المدني في الحياة السياسية.

وعموما - وكما يرى أحد الباحثين- فإن هذا التنوع لا ينفي وجود هرمية تجعل من الملك المحدد الأساسي للسياسة الخارجية, اعتبارا للأدوار التي يقوم بها في النسق السياسي المغربي, غير أن ذلك لا يسمح بالقول باحتكاره لهذا المجال فتدخل الوزير الأول, وكذا وزارة الخارجية, علاوة على البرلمان, أمر تمليه الاعتبارات الدستورية والتشريعية والوظيفية, خاصة في ظل نظام سياسي يسعى إلى تشييد دولة الحق والقانون والمؤسسات(12).

ثالثا: الإطار التاريخي والقانوني لقضية الصحراء المغربية

مباشرة بعد حصول المغرب على استقلاله, أكد محمد الخامس بمحاميد الغزلان سنة 1958 على مغربية الأقاليم الصحراوية وضرورة تصفية الاستعمار في هذه المنطقة.

إلا أن المغرب لم يتمكن من طرح قضية المطالبة برحيل إسبانيا عن أقاليمه الجنوبية أمام الأمم المتحدة إلا في سنة 1964, وقد تجاوبت الجمعية العامة بشكل إيجابي مع مطالبه, عندما حثت إسبانيا على منح الاستقلال لهذه المناطق بموجب القرار 1514 المرتبط بتصفية الاستعمار.

ولقد عملت إسبانيا في بداية السبعينيات من القرن المنصرم على تشجيع المد الانفصالي بهذه الأقاليم بالشكل الذي يتعارض بشكل صارخ مع الحقوق الشرعية للمغرب على ترابه.

وفي مواجه ذلك, عمل المغرب على مواجهة هذه المحاولات وحذر كلا من الجزائر وموريتانيا من مسايرة الطرح الإسباني, وموازاة مع هذه التحركات الإسبانية سارع المغرب إلى توضيح حقوقه وشرح مواقفه و مواقف إسبانيا المعادية لدى مختلف الأطراف عربيا وإقليميا ودوليا.

وتعززت جهود المغرب تجاه تأكيد حقوقه على

المزيد


نظام المجلسين في المغرب

يناير 24th, 2007 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , دراسات منشورة للباحث

نظام المجلسين في التجربة المغربية

 د.إدريس لكريني- أستاذ بكلية الحقوق، مراكش

تقديم:

يعتبر إشراك المواطنين في تدبير الشؤون العامة، من خلال مؤسسات تمثيلية مظهرا من مظاهر الممارسة الديموقراطية الحديثة. 

وقد شكل ظهور المؤسسات البرلمانية مدخلا مهما للحد من مظاهر الاستبداد والحكم المطلق الذي شهدته العديد من الدول في الماضي، ولتدشين مبدأ الفصل بين السلطات؛ وبخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن البرلمان هو هيئة منتخبة تمارس مهام التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتسطير السياسة العامة للدولة.

وقد شهدت هذه المؤسسة تطورا ملحوظا تراوح في أهميته وفعاليته تاريخيا بين المد تارة والجزر تارة أخرى.

ويتبوأ البرلمان مكانة متميزة في النظام السياسي والدستوري للدول بالشكل الذي يجعل منه عصب الدولة، وهو يحمل تسميات متعددة ومتباينة: فنجده مثلا يسمى بمؤتمر نواب الشعب في روسيا الاتحادية، والمجمع القوميDiete  في اليابان، والكنيست في إسرائيل، والجمعية الوطنية في فرنسا، ومجلس الشعب في مصر والكونغرس في الولايات المتحدة الأمريكية..

و عادة ما تتكون هذه الهيأة من أعضاء منتخبين أو معينين أو هما معا، ويتحدد عدد أعضائها بحسب عدد السكان أو بتحديد دقيق للعدد بمقتضى بنود الدستور، وهي يتكون من غرفة واحدة أو غرفتين.

وعموما، فكلمة برلمان من الناحية الاصطلاحية تنصب على تحديد مكان مناقشة مجموعة من القضايا القانونية والسياسية..، وهي مستمدة من فعل تكلمParler ، رغم أن المناقشة غالبا ما تشكل إحدى الوظائف لهذه المؤسسة فقط. وقد ارتبط ظهور البرلمان بتطور الممارسة الديموقراطية الغربية، حيث كان منبرا لمراقبة مالية الدولة ومواجهة شطط الحكام خلال القرون الوسطى؛ ووسيلة لتقييد سلطات الملكيات المطلقة وبخاصة في بريطانيا؛ قبل أن ينتشر في مختلف دول العالم.

وفي المغرب، يذكر أحد الباحثين بأن المغاربة لم يكن من طبعهم الانسياق نحو الحكم المطلق، بل كانوا يميلون تاريخيا نحو حكم الجماعة وإلى الشورى كيفما كان شكلها، وهو ما تبلور بوضوح في مختلف أشكال الحكم التي اتبعوها في تاريخهم(1).

وهكذا، ففي بداية الاستقلال، تأسس مجلس وطني استشاري بموجب ظهير ملكي صادر بتاريخ 3 غشت من سنة 1956، وقد حاول هذا المجلس أن يمثل الرأي العام الوطني، حيث تشكل من 76 عضوا ينتمون لهيئات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية.. وكان هذا المجلس استشاريا لدى الملك ولم تمنح له صلاحيات تقريرية أو تشريعية، فقد كان مرتبطا بالسلطة التشريعية والتنفيذية الممثلة في الملك، الذي كان يملك إمكانية إيقاف دوراته وإعفاء أعضائه أو حله(2).

ومنذ بداية الستينيات من القرن المنصرم عرف المغرب تجربة العمل البرلماني، غير أن هذه التجربة ظلت محدودة في أهميتها على مستوى الأداء والتأثير وذلك لمحدودية الضوابط التي تحكمت في مسارها والأحداث السياسية والاجتماعية الكبرى التي مر بها المغرب.

أولا: السياق النظري والتاريخي لنظام الغرفتين

يمكن للبرلمان أن يتخذ شكل غرفة، كما يمكن أن يتخذ شكل غرفتين أو أكثر في بعض الحالات النادرة.

ففي الدول الفيدرالية أي المركبة، يعتبر نظام الغرفتين ضروريا تفرضه طبيعة هذا الشكل من الدول، كما هو الشأن بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وكندا والهند والاتحاد السوفييتي سابقا.. مع وجود دول من هذا النوع لكنها تنهج نظام الغرفة الواحدة، مثلما هو الحال بالنسبة لجزر القمر ودولة الإمارات العربية المتحدة..، فيما نجد الغالبية من الدول البسيطة الموحدة تأخذ بنظام المجلس الواحد الذي يتلاءم بدوره مع خصوصيتها، لكن ذلك لا يمنع من وجود دول بسيطة تعتمد أيضا نظام المجلسين كالمغرب..

وعموما؛ فالازدواج البرلماني ينتشر في حوالي ثلاث أرباع دول العالم، وتأخذ به معظم الدول العريقة في الديموقراطية كفرنسا وإنجلترا وإيطاليا وبلجيكا.. وتختلف صلاحيات وسلطات الغرفة الثانية حسب تباين الأنظمة.

ويعود الفضل لإنجلترا في بروز هذا النظام، وبخاصة عندما تكون مجلس العموم إلى جانب مجلس اللوردات؛ لتنتقل التجربة بعد ذلك إلى مختلف بلدان العالم.. وتنطوي هذه النشأة على أسباب تاريخية أسهمت في بلورته وتطوره، فقد كان البرلمان الإنجليزي في بداية ظهوره إطارا لتمثيل القرى والفرسان والبرجوازية وممثلي المدن إلى جانب النبلاء واللوردات ورجال الدين..، حيث كانوا يجتمعون في قاعة واحدة، مما كان يحدث إرباكا في أوساط الطبقات الدنيا، الأمر الذي دفع بهذه الأخيرة إلى عقد اجتماعاتها في قاعة منفردة، لتتطور الممارسة بعد ذلك إلى أن تبلورت في شكل ازدواج برلماني ضم مجلس اللوردات من جهة ومجلس العموم من جهة ثانية..

أولا: تقييم نظام الغرفتين

إن نظام الغرفتين هو نسق مؤسسي يمارس فيه مجلسان مكونان بطرق مختلفة وظائف برلمانية حسب شروط يحددها الدستور، وقد تباينت الآراء بصدد هذا النظام بين اتجاه أكد على دوره وأهميته في الحياة السياسية للدول، وبين اتجاه آخر أنكر رواده عليه هذه الأهمية؛ وفضلوا في المقابل نظام المجلس الواحد.

1- مبررات نظام المجلسين

يقتضي هذا النظام ممارسة السلطة التشريعية بواسطة غرفتين، وتؤكد الممارسة التاريخية أن هذا الأسلوب جاء لوضع حد للسلطات المطلقة التي كان يحظى بها الملوك في أوربا، فإلى جانب المجلس الأرستقراطي الموالي للملك في بريطانيا والمعروف بمجلس اللوردات، تشكل مجلس ثان هو مجلس العموم يتوفر على صلاحيات دستورية كبرى، ولذلك وخلال القرنين الثامن والتاسع عشر قيل في سياق الدفاع عن هذا النظام بأن الإرادة الشعبية يتم التعبير عنها في المجلس الأدنى؛ بينما يتم تصحيح هذه الإرادة وتوضيحها في المجلس الأعلى.

وإذا كانت طبيعة شكل الدولة في ارتباطها بالنظام الفيدرالي تفرض من الناحية الموضوعية نهج هذا النظام، فإن هناك اتجاها قاده مجموعة من الفقهاء والباحثين الذين أعجبوا بهذا النظام، ورأوا فيه العديد من العناصر التي

المزيد


النخبة السياسية وأزمة التغيير في الأقطار العربية

ديسمبر 20th, 2006 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , جديد الباحث, دراسات منشورة للباحث

النخبة السياسية وأزمة التغيير في المنطقة العربية

د.إدريس لكريني(أستاذ جامعي، كلية الحقوق، مراكش)

 مقدمة

تنطوي دراسة النخبة في أي مجتمع على أهمية كبرى باعتبارها تسهم بشكل كبير في فهم وتفسير السلطة السياسية داخل الدولة، فداخل أي مجتمع نجد هناك فئة محدودة حاكمة؛ تحتكر أهم المراكز الاقتصادية والاجتماعية والسياسية..؛ وتلعب أدوارا طلائعية داخل النسق السياسي وتملك سلطات على مستوى اتخاذ القرارات أو التأثير في صياغتها في أقل الأحوال، وأخرى واسعة محكومة ولا تملك نفس الإمكانيات فيما يخص صناعة هذه القرارات.

وهكذا توجد في كل مجتمع من المجتمعات نخبة أتيحت لها إمكانية الاضطلاع بأدوار رئيسية ومهمة في مختلف المجالات.

ويطرح موضوع النخبة صعوبات مفاهيمية جمة؛ نظرا لتعدد الرؤى والمقاربات في هذا الشأن؛ وقد تناوله بالدراسة بعض الفلاسفة منذ آ

المزيد


التالي