منشور بمجلة التاريخ العربي، جمعية المؤرخين المغاربة، عدد 35، صيف 2005
تطور السياسة الخارجية المغربية إزاء قضية
الصحراء

د. إدريس لكريني- أستاذ باحث, كلية الحقوق, جامعة القاضي عياض, مراكش
مقدمة:
احتلت قضية الصحراء المغربية مكانة مهمة ومتميزة ضمن أولويات السياسة الخارجية المغربية, بالشكل الذي أثر بشكل كبير على الملامح الكبرى لهذه السياسة, منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي.
و قد تميزت هذه السياسة إجمالا بالاعتدال والانفتاح, وتبلور هذا الاعتدال في العديد من المناسبات الإقليمية والدولية, ونذكر في هذا السياق: الموقف المغربي الرسمي من حرب الخليج الثانية ومن قضية الشرق الأوسط.. ويبدو انفتاح السياسة الخارجية المغربية من خلال التفاعل مع المتغيرات الدولية سواء على المستوى الاقتصادي المرتبط بمحاولات تفعيل الاتحاد المغرب العربي ونسج علاقات اقتصادية مع مختلف القوى الدولية كالاتحاد الأوربي والولايات المتحدة التي تمكن من عقد اتفاقية منطقة التبادل الحر معها والسياسي عبر الانخراط في بناء مجتمع حداثي وديموقراطي, وذلك بعد تكليف عبد الرحمان اليوسفي بتشكيل الحكومة, وتوسيع هامش الحريات واحترام حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا(1), وكذلك من خلال نسجه لعلاقات ديبلوماسية مع مختلف الدول والمنظمات الدولية, ومساهماته الفعالة ضمن أنشطة هذه الأخيرة وانخراطه في الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق السلم والأمن الدوليين وإرساء التعاون مع مختلف الدول المشاركة في عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام في مختلف المناطق المتوترة في العالم ككوسوفو وهاييتي والكونغو.. وإلغاء حوالي 90 مليون دولار من ديونه المستحقة لصالح الدول الإفريقية الأكثر فقرا, خلال انعقاد القمة الإفريقية – الأوربية بالقاهرة في الثالث والرابع من أبريل لسنة 2000 (2) ورفع كل الحواجز الجمركية على الموارد المستوردة من هذه الدول.
ومعلوم أن المرجعية الدينية للمغرب المرتبطة بالمذهب المالكي وكذلك الموقع الجغرافي الهام الذي يحتله أسهما بشكل كبير أيضا في بلورة هذه الخصائص التي تميز سياسته الخارجية.
رغم الجهود الكبيرة التي بذلت بصدد قضية الصحراء المغربية التي تحقق بصددها إجماع وطني انخرطت فيه كافة القوى السياسية, والنتائج المهمة التي تحققت في هذا الإطار, تميزت مقاربة هذا الملف في البداية بنوع من الانغلاق, حيث احتكرت وزارة الداخلية تدبيره, بالشكل الذي أضفى على هذه المقاربة طابعا أمنيا حال دون مساهمة العديد من الفاعلين الرسميين وغير الرسميين في إغنائه وتفعيله, وقد بدا واضحا قصور هذه المقاربة في أواخر التسعينيات عندما تبين وجود عدة دول على الهامش اقتنعت بطروحات الخصوم وتجاوبت معها بشكل مثير.
وبعد تولي المعارضة لعدة مناصب حكومية في أواخر التسعينيات في مرحلة أولى, واعتلاء الملك محمد السادس للحكم, بدا أن هناك حاجة ملحة لإحداث تغيير على السياسة الخارجية المغربية وبخاصة على مستوى تدبير هذا الملف الحساس, وهو ما تبلور على مستوى عدة واجهات.
أولا: مفهوم السياسة الخارجية
إن السياسة الخارجية هي كل السلوكيات السياسية الهادفة والناجمة عن عملية التفاعل المتعلقة بعملية صنع القرار الخارجي للوحدة الدولية, فالسلوك السياسي الخارجي لأية وحدة دولية هو عبارة عن حدث أو فعل ملموس تقوم به هذه الوحدة الدولية بصورة مقصودة وهادفة للتعبير عن توجهاتها في البيئة الخارجية(3), فيما يعرفها البعض الآخر بأنها: عبارة عن برنامج عمل للتحرك الخارجي, يتضمن تحديدا للأهداف التي تسعى الدولة إلى تحقيقها, والمصالح التي تحرص على تأمينها وصيانتها, والوسائل والإجراءات التي تراها ملائمة لذلك, وفقا لما تعتنقه من مبادئ ومعتقدات, ويضيف نفس الباحث أن رسم السياسة الخارجية تبدأ ببيان الأهداف التي تسعى الدولة إلى بلوغها وفق ما تؤمن به من معتقدات, وتنتهي بتحديد الوسائل والإجراءات الكفيلة بتحقيق تلك الأهداف, وتعتمد هذه العملية على عنصرين رئيسيين: المعلومات المتعلقة برسم السياسة الخارجية وصانعو تلك السياسة(4).
أما الديبلوماسية التي عرفها قاموس أكسفورد بكونها: "إدارة العلاقات الدولية عن طريق المفاوضات, أو أسلوب معالجة وإدارة هذه العلاقات بواسطة السفراء والممثلين الدبلوماسيين", فهي لا تضع أسس السياسة الخارجية وإنما تنفذها, وتحاول أن توفر لها الوسائل اللازمة لتنفيذها وتحقيق أهدافها(5).
وعلى مستوى بلورة هذه السياسة, فعادة ما يتم تقسيم الآليات الرسمية لصناعة السياسة الخارجية إلى مؤسسات داخلية وأخرى خارجية, فالأولى تتركز بالأساس في مؤسسة الرئاسة التي غالبا ما تحظى باختصاصات دستورية هامة في هذا الشأن( توقيع المعاهدات, اعتماد وبعث السفراء, الإشراف على المفاوضات الخارجية, التمثيل الخارجي للدولة..), ثم وزارة الخارجية باعتبارها الجهاز التنفيذي الذي يتولى تدبير الشؤون الخارجية للدولة ومتابعتها مع مختلف الفاعلين الدوليين (رعاية مصالح الدولة ورعاياها في الخارج, تمثيل الدولة في الملتقيات الدولية, تكريس التعاون مع مختلف الدول والمنظمات الدولية..).
أما الثانية, فتتركز أساسا في البعثات الديبلوماسية المنظمة بموجب اتفاقية فيينا الموقعة بتاريخ 18 أبريل 1961 والقنصلية المحددة بموجب اتفاقية فيينا الموقعة بتاريخ 24 أبريل 1963.
لقد أصبح من مهام الدبلوماسية الأساسية الخروج عن محيط العلاقة الثنائية التقليدية إلى محيط العمل لخير الإنسانية وازدياد التعاون الدولي وصيانة السلام واستقرار الأمن عن طريق تنمية العلاقات الاقتصادية والثقافية والعلمية, وشجب ما بين الأمم والشعوب من فجوات بين التقدم والتخلف في هذه الميادين.. ولهذا أصبح نمو هذه العلاقات وحجمها رهنا بما تحدده دبلوماسية كل دولة وسياستها الخارجية من اعتبارات.. وطبيعي أن تتطلب هذه المهام الجديدة إدراكا من جانب الدبلوماسي لظروف سير الحياة الدولية في عصره, ومدى قوة ونفوذ أو تأثير دولته في هذا المضمار(6).
وإذا كانت المفاوضات هي إحدى أهم التقنيات والوسائل الدولية لتسوية المنازعات وإدارة الأزمات الدولية(7) فإن فعالية هذه الأخيرة تظل رهينة بوجود مجموعة من المهارات والاعتبارات(8):
1 - التمرس التام بالأصول والممارسات والإجراءات الدبلوماسية الشفوية والكتابية.
2 - الفهم الكامل للمشكلة محل النزاع من حيث الخلفية والظروف والتطورات والنتائج المحتملة.
3 - الفهم التام لقدرات دولته ومدى قوتها وضعفها وما يمكن استخدامه من وسائل مباشرة في حل النزاع.
4 - الفهم الواضح لطبيعة الأساليب التي يمكن استخدامها في كافة مراحل المفاوضات.
5 - القدرة على إعطاء التنازلات والوصول إلى تسوية دون التفريط بالمصالح الحيوية لدولته.
6 - الإعداد الجيد للمفاوضات من خلال المعرفة اللازمة بالأساليب التفاوضية للدولة المضيفة.. والمعرفة اللازمة بالأوضاع الإقليمية والدولية القائمة عند التفاوض.. والمعرفة الواقعية بسلوك المفاوض الرئيسي الذي يمثل الدولة المضيفة..
7 - التمتع بالصبر والجلد والمرونة والنفس الطويل.
ثانيا: الفاعلون الأساسيون في حقل السياسة الخارجية المغربية
يبدو من خلال كتابات المتخصصين في هذا المجال, أن هناك رأيان متباينان: الأول تقليدي, يركز على الفرضية التي تعتبر أن السياسة الخارجية في المغرب تظل مجالا محفوظا للملك, انطلاقا من الأساس الدستوري الذي يمنحه مكانة متميزة في هذا السياق (الفصل 19 الذي يعتبر الملك بموجبه أميرا للمؤمنين و ممثلا أسمى للأمة ورمزا لوحدتها.. والفصل 24 الذي يتيح له إمكانية تعيين الوزير الأول.. والفصل 25 الذي بموجبه يرأس المجلس الوزاري, والفصل 30 الذي يمنحه صفة القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية والفصل 31 الذي بموجبه يعتمد السفراء لدى الدول والمنتظمات الدولية ويعتمد لديه السفراء وممثلي المنظمات الدولية, وتوقيع المعاهدات والمصادقة عليها - باستثناء تلك التي تترتب عنها أعباء مالية للدولة والتي تتطلب صدور قانون بصددها من قبل البرلمان-, ثم الفصل 74 المتعلق بإعلان حالة الحرب), وهي الإمكانيات التي تجعل من الملك ليس مجرد فاعل, بل في نفس الوقت محددا للسياسة الخارجية(9).
والثاني, حديث ويعتمد رؤية واقعية وسياسية, ويرى بأن هناك شركاء آخرين يساهمون إلى جانب الملك في نسج السياسة الخارجية المغربية, كالوزير الأول ووزير الخارجية - وبخاصة بعد صدور مرسوم 20 يناير 1995 – وباقي الوزراء ومؤسسة البرلمان من خلال الديبلوماسية البرلمانية..
فالوزير الأول بموجب الدستور المغربي, يتحمل مسؤولية تنسيق النشاطات الوزارية (الفصل 65 من الدستور) عكس ما هو عليه الأمر في الدستور الفرنسي – مثلا – الذي ينص على أن الوزير الأول يقود عمل الحكومة, الأمر الذي يجعل منه فاعلا ثانويا في هذا الشأن الحيوي, غير أن هذا الأخير بإمكانه أن يؤثر بدوره بصفة فاعلة في بلورة القرارات ذات الطابع الخارجي عبر تحركاته الديبلوماسية في الخارج وكذا من خلال ترأسه للمجلس الحكومي.
ويلاحظ أن هذه المؤسسة قد انتعشت في السنوات الأخيرة, وبخاصة بعد وصول المعارضة إلى الحكومة, حيث أسهمت في تطوير دور هذه المؤسسة على مستوى التأثير في مسار الديبلوماسية المغربية, سواء على المستوى الاقتصادي والتجاري أو على مستوى قضية الصحراء المغربية.
فقد قام الوزير الأول(عبد الرحمان اليوسفي) بعدد من الزيارات إلى مختلف الدول واستثمر علاقاته الخارجية, بالشكل الذي أسهم في تراجع حوالي 13 دولة عن اعترافها بالجمهورية الصحراوية المزعومة, علاوة على ذلك أسهم في تحسين صورة المغرب في كثير من دول العالم(10).
وبناء على مرسوم 20 يناير 1995, أصبح وزير الخارجية يتمتع بمهام وسلطات لا تخلو من أهمية على مستوى مساهمته في بلورة السياسة الخارجية للدولة, فهو يتولى مهمة إعداد وتنفيذ عمل الحكومة في الميادين التي تهم علاقات المغرب الخارجية, وذلك من خلال:
توجيه العمل الديبلوماسي والقيام بتنمية التعاون الدولي وتنسيق جميع العلاقات الخارجية والحرص على التوفيق بينها وبين سياسة المغرب الخارجية(11).
ويمكن أيضا لباقي الوزراء التأثير في السياسة الخارجية للدولة في إطار بلورة الاتفاقات التي تعقد على المستوى الثنائي أو الجماعي والتي لها علاقة بالقطاعات التي يشرفون عليها, كوزارة المالية ووزارة الصيد البحري..
كما يمكن للبرلمان أن يلعب دورا ملموسا في صياغة هذه السياسة بموجب نصوص الدستور, سواء من خلال وسيلة التشريع القانوني المرتبط بالمصادقة على بعض الاتفاقيات أو إعمال الرقابة على النشاط الخارجي للحكومة.
فالاتفاقيات والمعاهدات التي تترتب عنها أعباء مالية تتطلب موافقة البرلمان قبل مصادقة الملك عليها (الفصل 31 من الدستور), كما أن تقنيات ملتمس الرقابة أو سحب الثقة (الفصول: 75, 76, 77 من الدستور) وكذلك الأسئلة الشفوية والكتابية المتاحة لهذه المؤسسة في مواجهة الحكومة كوسيلة للرقابة.., تمكنها أيضا من المساهمة في صياغة السياسة الخارجية للدولة.
ولقد ازداد دور البرلمان في صياغة هذه السياسة في ظل التغيرات الدولية والوطنية المرتبطة بتوسيع هامش المشاركة السياسية وتفعيل الديموقراطية وتزايد دور المجتمع المدني في الحياة السياسية.
وعموما - وكما يرى أحد الباحثين- فإن هذا التنوع لا ينفي وجود هرمية تجعل من الملك المحدد الأساسي للسياسة الخارجية, اعتبارا للأدوار التي يقوم بها في النسق السياسي المغربي, غير أن ذلك لا يسمح بالقول باحتكاره لهذا المجال فتدخل الوزير الأول, وكذا وزارة الخارجية, علاوة على البرلمان, أمر تمليه الاعتبارات الدستورية والتشريعية والوظيفية, خاصة في ظل نظام سياسي يسعى إلى تشييد دولة الحق والقانون والمؤسسات(12).
ثالثا: الإطار التاريخي والقانوني لقضية الصحراء المغربية
مباشرة بعد حصول المغرب على استقلاله, أكد محمد الخامس بمحاميد الغزلان سنة 1958 على مغربية الأقاليم الصحراوية وضرورة تصفية الاستعمار في هذه المنطقة.
إلا أن المغرب لم يتمكن من طرح قضية المطالبة برحيل إسبانيا عن أقاليمه الجنوبية أمام الأمم المتحدة إلا في سنة 1964, وقد تجاوبت الجمعية العامة بشكل إيجابي مع مطالبه, عندما حثت إسبانيا على منح الاستقلال لهذه المناطق بموجب القرار 1514 المرتبط بتصفية الاستعمار.
ولقد عملت إسبانيا في بداية السبعينيات من القرن المنصرم على تشجيع المد الانفصالي بهذه الأقاليم بالشكل الذي يتعارض بشكل صارخ مع الحقوق الشرعية للمغرب على ترابه.
وفي مواجه ذلك, عمل المغرب على مواجهة هذه المحاولات وحذر كلا من الجزائر وموريتانيا من مسايرة الطرح الإسباني, وموازاة مع هذه التحركات الإسبانية سارع المغرب إلى توضيح حقوقه وشرح مواقفه و مواقف إسبانيا المعادية لدى مختلف الأطراف عربيا وإقليميا ودوليا.
وتعززت جهود المغرب تجاه تأكيد حقوقه على
المزيد