كلية الحقوق؛ مراكش-شعبة الدراسات الدولية- الفصل السادس
السنة الجامعية 2007-2008
مادة المدخل إلى الجيوستراتيجيا
سيادة الدول في ظل العولمة

عرض من إنجاز الطالبين محمد الغزالي ويوسف العادلي
لقد برزت حركة العولمة كحركة نشيطة و حرة و متسارعة في مجال المبادلات التجارية و المالية العالمية،و لقد تنبأ المفكر" مارشال ماكلوهان" في الستينيات من القرن 20 إلى أن العالم أصبح بفضل تطور الاتصال قرية كونية، ولفظة العولمة هي ترجمة للمصطلح الانجليزي Globalization ، و بعضهم ترجمها بالكونية و الكوكبية وبعضهم بالشمولية، إلا أنه في الآونة الأخيرة اشتهر بين الباحثين مصطلح العولمة و أصبح هو أكثر الترجمات بين أهل السياسة و الاقتصاد و الإعلام. وتحليل الكلمة بالمعنى اللغوي تعميم الشيء واكتسابه الصيغة العالمية و توسيع دائرته ليشمل العالم كله.
ويعرفها جورج طرابيشي " بأنها الظاهرة التاريخية لنهاية القرن 20 و بداية القرن 21، مثل ان القو مية كانت هي الظاهرة لنهاية القرن 19 و بداية القرن 20".
كما يعرفها عبد الخالق عبد الله " بأنها في جوهرها حركة تاريخية وليدة ومازالت قيد التأسيس و هي شبيهة بحركة الحداثة التي برزت منذ حوالي 300 عام و تستهدف دمج العالم و توحيده اقتصاديا و سياسيا و حضاريا. "
إلا أنها في معناها البسيط هي إلغاء الحدود و الحواجز التشريعية و الجمركية أمام حركة تنقل السلع و رؤوس الأموال. و من تم فإن نظام التجارة العالمي أصبح أهم آلية للعولمة.
أما بالنسبة لظروف نشأتها فيمكن أن نوجزها في نقطتين أساسيتين:
أولا: أن العالم قد شهد تزايدا تدريجيا في كثافة التفاعلات الدولية بعامل تزايد درجة الاعتماد المتبادل، وتطور وسائل المواصلات،و التكنولوجيا الاتصالية.
ثانيا: أن العالم قد شهد في أعقاب سقوط الاتحاد السوفياتي تحولا جذريا كيفيا و فجائيا في أنماط التفاعل و النظم التي تحكم علاقات ما بين الدول بشكل طارئ و سريع و متلاحق خلال فترة زمنية قصيرة و هذه التغيرات لم تقتصر على مجرد الزيادة الكمية في كثافة التفاعلات الدولية، وإنما كانت تؤثر في طبيعة أو نوعية أو أنماط التفاعلات.
وتعتبر مظاهر العولمة عديدة و متنوعة، تبلورت مثلا في:
* انحسار دور الدولة: حيث حدث تغير في وظيفة الدولة و شكلها، بسبب استعمال الشركات المتعددة الجنسية و دور الدولة و وظيفتها من أجل التجاوب مع منطقها و توجهها، و بالتالي اقتصر دور الدولة على الدفاع على السيادة و الاستقرار الوطني.
* الانتقال من اقتصاد الدولة المنطوي على ذاتها إلى الاقتصاد العالمي المتميز ببروز منظمة التجارة العالمية(OMC) التي تحل محل أنظمة الإنتاج الوطنية.
* الشركات العملاقة، حيث أن الشركات العالمية أحد أبرز آليات دفع العولمة لتحقيق مصالحها، فهي تتحكم في الاقتصاد العالمي و تشكل هدفا لاستثمار البلدان النامية.
* زيادة الاندماج و التحالفات بين الشركات العملاقة الذي يهدف إلى تقليص تكلفة المنافسة.
*الثورة المعلوماتية و التكنولوجية من خلال تطور وسائل الاتصال و الانترنيت و الإعلام فقد جاءت العولمة امتداد للثورة المعلوماتية و التكنولوجية.
وعند ذكرنا لهذه المظاهر يمكننا أن نستشف بأن هناك تدخل في سيادة الدولة، هذه السيادة التي تعتبر سلطة مستقلة و سامية تمنح الدولة قرة " اتخاذ القرارات و الأعمال المتصلة بها في حصرها على الصعيد الداخلي و الخارجي بحرية تامة".
والسيادة عموما " هي استقلال دولة بمجال جغرافي لها الحق في سن القوانين وتطبيقها باستعمال القوة والعنف أي احتكار العنف المشروع وللدولة أن تمارس سيادتها الخارجية بكل حرية ولا يحد من سيادتها سوى التزاماتها الدولية". وهي أحد مبادئ القانون الدولي المعاصر الذي كرسته معظم مواثيق المنظمات الدولية، و قد جاء في المادة الثنية من ميثاق الأمم المتحدة (الفقرة1) أن تقوم المنظمة على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها.
وبالتالي يمكننا أن نتساءل عن ما هي آليات العولمة سواء الاقتصادية، السياسية العسكرية، الاجتماعية و الثقافية؟ ( المطلب الأول) و ما هي مظاهر التدخل بكل أشكالها في سيادة الدول التي واكبت العولمة؟و ما هو مستقبل السيادة في ظل هذه التحولات، (المطلب الثاني) ؟.
المطلب الأول: آليات العولمة
أولا: الآليات الاقتصادية
يشكل انفلات سلطة الضبط الاقتصادي من الدولة الوطنية و انتقاله إلى الشركات و التكتلات الاقتصادية جوهر العولمة الاقتصادية التي تفترض أن العالم قد أصبح وحدة اقتصادية واحدة تحرك قوى السوق التي لم تعد تحكمها حدود الدولة الوطنية وإنما تشترط بمجموعة من المؤسسات المالية و التجارية والصناعية العابرة للقوميات ( الشركات المتعددة الجنسية) ( صندوق النقد الولي) ( البنك الدولي أو منظمة التجارة العالمية) …. و الأسواق التجارية و المالية العالمية لم تعد موحدة فحسب بل هي خارجة تحكم دول العالم بما في ذلك أكبرها و أكثرها غنى.
و من أهم الآليات التي تستخدمها هذه المؤسسات في إطار عولمة الاقتصاد العالمي:
أ- اتجهت هذه الشركات و رغبة في الربح السريع على إقامة مصانعها و خطوط إنتاجها في الدول النامية و ذلك لوجود سوق عمالية رخيصة، مما يؤدي إلى الأرباح بتقليص التكلفة.
ب- كما اتخذت لذلك السبب وسيلة ( تصدير فرص العمل إلى الدول الفقيرة) حيث التكاليف من استعمال العمال و رسوم الضرائب منخفضة كثيرا عن دول الشمال و بالتالي تحقيق ربحية أكثر.
ج- بواسطة التقنية الحديثة في الاتصالات استطاعت هذه المؤسسات التحكم في توزيع الإنتاج على أماكن مختلفة من العالم ومن تم التحكم في توزيع المنتجات و الخدمات بحيث أصبحت الصناعات المحلية لا قيمة لها بالقياس للمنتجات العالمية.
د- من خلال ما تنتهجه من سياسة توزيع الدخل و الإنتاج. تمكنت من توزيع الكثير من العقود بينها و بين الدول و بهذا تستطيع أن تمارس معاملاتها التجارية بأقل التكاليف من دفع الرسوم و الضرائب، و يمكنها فرض عقوبات كيفما ترى على الدول الوطنية التي ترفع أسعارها و رفضها لاستثمارات هذه المؤسسات، كما يمكنها سحب استثمارها من بلد لآخر حسب مصلحتها مما يؤدي لفقدان آلاف العمال لوظائفهم، مما يسبب الفقر و البطالة.
ر- تعمل هذه المؤسسات و المنظمات على أن تفصل بين الدول التي تشكل مناطق للنتاج و تلك المناطق التي تجعلها مجالا لاستثماراتها المالية…و تلك المناطق التي تقيم فيها باكتفائها الذاتي وهي الأمكنة ذات الطريقة الأكثر رخصا.
ثانيا: الآليات السياسية للعولمة:
إن العولمة تخترق أربعة جوانب رئيسية للدولة ذات السيادة و هي الاحتكار، السلطة، التشريع،الحدود الجغرافية و من هنا يتقلص دور الحكومات في إصدار التشريعات داخل الدولة و ممارسة سلطاتها و ما لم تستطع الدولة أن تحافظ على أمنها الاقتصادي و السياسي و البيئي، فإنها تفقد مصداقيتها.
- إفساح المجال أمام التعددية السياسية و حرية التعبير في إطار مبدأ السوق الحر للأفكار مما أدى إلى سقوط حواجز كانت بعض الدول تحتمي بها من تيار العولمة مثل الصين و أوربا الشرقية.
- تقليص دور السلطة التقليدية للدولة، فالدولة لا تختف و لكنها تتفكك على إجراءاتها المتميزة ووظيفيا و تقيم تلك الأجزاء شبكات مع شبيهاتها في الخارج ( مؤسسات إعلامية ، محاكم ، هيئات تنظيمية، منظمات غير حكومية) لتكون نسيجا من العلاقات التي تشكل نظاما جديدا عابر للحكومات.
- ثالثا: هناك تغيير ملحوظ في مركز الدولة، حيث أن قوتها تجبر الشركات المتعددة الجنسية تدريجيا، و تغيرت حدود السوق الجديدة لتخرج عن حدود الدولة، كما أن سيادة الدولة لم تعد تحظى بسيادة مطلقة بل أصبحت تخترق بطرق شتى مادية أو معنوية.
- رابعا: احتلت عبارات الجغرافيا الاقتصادية مكان الاعتبارات الجيوسياسية ، و أصبح لها اليد العليا في رسم السياسات الخارجية للدول، و تحديد مصالحها القومية، و تحديد مصالحها القومية و صياغة برامجها للأمن القومي.
- خامسا: إحياء المجتمع المدني في مختلف أنحاء العالم، و تحول المنظمات التطوعية ( حقوق الإنسان ، المرأة ، الأقليات العرقية إلى طرف فاعل في النظام الدولي يضغط على الدولة في بعض الأحيان.
- ثالثا الآليات العسكرية للعولمة
إن أهم مميزات العولمة العسكرية في ظل العصر الحالي هو التوسع و التطور الهائلين كما و كيف للترسانة العسكرية الأمريكية التي احتكرتها من دون الدول الأخرى هذه الأخيرة التي انطلقت في السبا ق نحو التسلح و لذلك نهجت الولايات المتحدة سياسة نزع التسلح للحد من هذا السباق.
ب – استعمال الترسانة العسكرية من طرف الولايات المتحدة و حلفائها من أجل التحكم بالثروات و نهبها من الأمم الأخرى.
ج- استخدام الدول الصناعية الكبرى للآلة العسكرية لتكريس الإيديولوجية الليبرالية الرأسمالية و نشرها في العالم.
د- و من نتائج العولمة في إطار سلب حريات الشعوب و كرد فعل عن هذا، ظهور خطر قيام الكتلة الإسلامية ستؤدي إلى قلب المعطيات الجيواسترتيجية الراهنة و إعادة توزيع الثروة و السلطة في النظام العالمي.
ه- لقد تجلت أهم مظاهر العولمة العسكرية في زعامة الولايات المتحدة الأمريكية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، حيث قامت بتدشين هذه الزعامة مع اندلاع أزمة الخليج الثانية قبل أن تتدخل في منازعات و قضايا دولية أخرى، و هذا الأمر الذي أتاح لهذه الدولة التدخل في المناطق النائية و ضبط بؤر التو ثر و احتواء الأنظمة و الجماعات المعادية لمصالحها، و هو ما تبين من خلال مناسبات دولية متعددة كمشكل الشرق الأوسط و أزمة البوسنة و الهرسك و المشكل الصومالي و قضية " لوكي ربي " و أزمة هايتي و أفغانستان العدوان الأخير على العراق و ذلك عبر استثمار إمكانياتها داخل المؤسسات الدولية السياسية كمجلس الأمن، و الاقتصادية كصندوق النقد و البنك الدوليين هذا بالإضافة إلى تفعيل دور حلف الشمال الأطلسي على الرغم من انقضاء الحرب الباردة ليتلاشى مع المعطيات الدولية الجديدة.
رابعا: الآليات الاجتماعية و الثقافية
كانت أهم مساعي العولمة نحو تأكيد هويتها و ترسيخ مفهومها و التي لا يتم لها ذلك إلا من خلال إستراتيجية أساسية محوري
المزيد