المقاومة(Résistance) والإرهاب(Térrorisme)
أ.د. أسعد السحمراني؛ أستاذ العقائد والأديان في جامعة الإمام الأوزاعي-بيروت؛ مسؤول الشؤون الدينية في المؤتمر الشعبي اللبناني
لماذا موضوع المقاومة والإرهاب؟
إن الموضوع مطروح بقوة في السنوات الأخيرة بسبب تصاعد المقاومة لقوى الإحتلال الإستيطاني الإحلالي في فلسطين، أو الإحتلال الإستعماري في العراق وأفغانستان وسواهما، ومن جهة أخرى بسبب ما شاع من مظاهر الغلو والتطرّف، والإستخدام غير المبرّر للعنف، وذلك يظهر في ميادين الفكر والإغتيالات أو التفجيرات ضدّ أهداف مخالفة في الرأي مما اتخذ صفة الإرهاب.
وتحتاج الحركة الفكرية العربية والإسلامية كما تحتاج ملتقيات الحوار إن كانت لأتباع الديانات، أو المنتمين لدول ولحركات سياسية، أو لمؤسسات إصلاحية إلى بيان واضح في هذا الباب. إذ لا بدّ من وقف عملية الحلط بين المفاهيم، وإلى التحديد الدقيق للمصطلحات وضبطها. ومن ذلك بيان الفارق بين المقاومة والإرهاب.
ولا يغيب عن البال أن ما صدر عن المجامع الفقهية التي تشكّل موقع المرجعيات الدينية يعدّ أساسياً في تحديد الموقف وضبطه.
التعريف والماهية:Définition
المقاومة نشاط يقوم به فريق من أبناء البلد المحتلّ ضدّ غزاته، وقوامها التخريب وتوجيه الضربات الخاطفة والسّرّيّة إلى قوات الإحتلال والمتعاونين معها.[1]
وفي المعاجم الأوروبية: Résistance؛ مقاومة: إسم أطلق على النشاط السرّيّ الذي جرى في فرنسا، وسائر أوروبا من مختلف المنظمات والحركات من أجل الكفاح ضدّ الإحتلال الإلماني أثناء الحرب العالمية حتّى تحرير الأرض. وفي فرنسا كانت المقاومة ضدّ النازية تتمّ من خلال العمل وفق برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي يحدّد مستقبل البلاد.[2]
والمقاومة في أحد المعاجم العربية: مواجهة القوة ومجابهتها بالقوة والصمود في وجه المهاجم، والإعتراض على ما ينافي العدل، وينافي الرغبات وقوة الإحتمال، والصبر على الشيء ومنه مقاومة التعب.
والمقاومة المسلحة: لجوء جماعة من المواطنين المسلحين إلى محاربة العدو أو المحتلّ بوسائل متنوعة، كشنّ الهجمات المتفرقة أو إحداث تخريب في قواعده ومنشآته من ساكنيها.[3]
أما الإرهاب Térrorisme فهو مصطلح شاع في أوروبا في الحقبة التي سقطت فيها البلدان في أيدي حكومات نشرت الرعب والتسلّط.[4]
وفي معجم النفائس الوسيط: الإرهابيون: وصف يُطلق على الذين يسلكون سبيل العنف والإرهاب لتحقيق أهداقهم السياسية.[5]
أما المعجم العربي الأساسي فقد أورد ما يلي: إرهابي (ج) إرهابيون: وصف يُطلق على من يسلك سبيل العنف والإرهاب لتحقيق أهداف سياسية أو خاصة…
…. حكم إرهابي: حكم يقوم على إرهاب الشعب واستعمال العنف لكبت حريته.[6]
لقد حصل تشويش كبير حول مصطلحي المقاومة والإرهاب، ولعلّ السبب في ذلك إسقاط تفسيراتٍ على المصطلحات تحكمها رؤى خاصة، أو مصالح ومشاريع سياسية أو إقتصادية… إلخ. وبداعٍ من ذلك يجد المراجع للتعريفات بوناً شاسعاً بين ما يطرحه أهل الأقلام، حيث كلٌّ منهم تحكم تعريفه الأرضية الفكرية-السياسية التي يقف عليها.
هذا باحثٌ عربيّ يقول: لا شكّ أنّه لا يوجد للإرهاب تعريفٌ واحدٌ متّفق عليه بين المتخصصين ، من الناحية الإصطلاحية، لاختلاف الآراء والإتجاهات بين من تناولوا هذا الموضوع، واختلاف مواقف الدول من جهة ثانية، حيث ما يعتبره البعض إرهاباً ينظر إليه اليعض الآخر على أنه عملٌ مشروع، كما يدخل تعريف الإرهابي مع عدد من المفاهيم الأخرى القريبة منه في المعنى، كمفاهيم العنف السياسي، أو الجريمة المنظمة،… ومفهوم الإرهابي مفهومٌ متغيّرٌ، وتختلف صوره وأشكاله وأنماطه ودوافعه اختلافاً زمانياً ومكانياً، كما يتباين النظر إليه بتباين الثقافات القائمة.[7]
إنّ الثقافات متنوعة، وكذلك المصالح لذلك نجد هذا الإختلاف، وأبرز ذلك ما يحصل من خلطٍ بين الإرهاب داخل الدولة أو المجموعات البشرية، وبين استخدام القوة المتاحة ضدّ محتلٍّ أو عدوّ. وإذا كان الأمر مواجهة بين طرفين متنازعين متصارعين أحدهما معتدٍ والآخر معتدى عليه فإن كلّ الفلسفات والنواميس لم ترَ في ذلك إرهاباً.
وقد ميّز أحد الغربيين بين نوعين من الإرهاب فقال: الإرهاب هو اللجوء للعنف لأهدافٍ سياسية وفاعلة لمن ليس له سلطان أو صلاحيات حكومية، وهو يقوم بها منتهكاً قواعد السلوك المتعارف عليها للتعبير عن السخط، أو الإنشقاق عن، أو معارضة الأهداف السياسية للسلطات الحكومية الشرعية للدولة التي ينظر إليها على أنها لا تتجاوب مع احتياجات فئات معيّنة من الناس.[8]
يتحدّث الكاتب عن العنف الداخلي بين فريق معارض وفريق يحكم ويتولّى السلطة وهذا له ضوابطه لأن العمل لتداول السلطات يقوم على أساس النضال الديمقراطي عبر الإنتخابات أو التحركات المدنية كالمقالات والخطب، أو المهرجانات والتظاهرات والإعتصامات وما شاكل ذلك، وإذا استخدم أحدهم العنف مما يحدث التخريب والدمار والقتل فإن ذلك يكون فعلاً مرفوضاً، وهذا يدخل في إطار الإرهاب.
ويعود ليقول في استخدام القوة المشروع: إنّ القتال الذي يدور بين وحدتين مسلّحتين متنافستين في صراع قوة سياسي لا يعدّ إرهاباً، حتّى ولو كان أحد الجانبين من رجال حروب العصابات أو أخذ خصمه على حين غرّة، وأيُّ حربٍ مهما كانت غير عادية ستبقى مجرّد قتال ما دامت كلّ الأطراف فيها مستهدفة بوسائل مميّزة.[9]
يميّز هنا سيدر برج بين القتال وهو أمرٌ مشروعٌ أيًّا تكن الوسائل والأساليب المستخدمة، وبين استخدام العنف داخلياً من أجل الحصول على السلطة، والثاني هو إرهابٌ بينما الأوّل مقاومة لعدوّ ومشروع.
لأنّ الحوار حول الموضوع يدور في رحاب حوارٍ بين أتباع الديانات فإنّ التعريف يستلزم العودة إلى مرجعية إسلامية، هذه المرجعية هي مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف، وقد صدر الموقف بعد أحداث 11 أيلول\سبتمبر من العام 2001، وقد جاء في بيان مجمع البحوث الإسلامية التعريفان التاليان[10]:
الإرهاب: هو ترويع الآمنين، وتدمير مصالحهم ومقومات حياتهم، والإعتداء على أموالهم وأعراضهم وحرياتهم، وكرامتهم الإنسانية، بغياً وإفساد في الأرض. ومن حقّ الدولة، التي يقع على أرضها هذا الإرهاب الأثيم، أن تبحث عن المجرمين، وأن تقدمهم للهيئات القضائية لكي تقول كلمتها العادلة بشأنهم.
القتال الذي شرّعه الإسلام لا يجوز اللجوء إليه إلاّ لضرورة استثنائية، وفي حالتين اثنتين:
- لدفاع عن الوطن ضدّ احتلال الأرض ونهب الثروات، وضدّ الإستعمار الإستيطاني الذي يخرج المسلمين من ديارهم، وضدّ الذين يظاهرون ويساعدون على الإخراج من الديار، وضدّ الذين ينقضون عهودهم.
- دفع فتنة المسلمين في دينهم، وإجبارهم على تغيير عقيدتهم، أو سلب حريتهم في الدعوة السلمية إلى الإسلام.
لقد حسم موقف الأزهر الشريف اللغط الدائر حول مصطلحي الإرهاب والمقاومة حيث عدّ ترويع الآمنين ظلماً، والنيل من حقوقهم بلا مبرر إرهاباً، بينما شرّع القتال دفاعاً عن الدين، والوطن، والحقوق في مقاومة الإحتلال والإستعمار سواء كان استيطانياً أو غير ذلك.
المقاومة حقّ طبيعي وديني وميثاقي:
المقاومة حقّ طبيعي يولد مع الكائن الحيّ حيث يعمل كلّ كائن لإشباع حاجاته، وسدّ كل خلل يلحق به، والتوالد لاستمرارية النوع، وينطبق ذلك على النبات والحيوان والإنسان. لكن الإنسان ينفرد ويتميّز بالميول الإجتماعية المعنوية، وبالميول القيمية المثالية التي تضاف إلى الميول الفيزيولوجية العضوية المادية، وبذلك يكون للإنسان جملة حقوق يدافع عنها ويسعى لنيلها هذا مع القيام بواجباته، فتتوازن مسارات الحياة ويستقرّ بها شؤون الحياة. تأسيساً على ما تقدّم يقرّر البحث أن المقاومة من أجل حفظ الحياة، وحفظ النوع بالتكاثر حقّ طبيعي يولد الإنسان مفطوراً عليه. وقد وجّه الإسلام إلى ذلك فأتت نصوص كثيرة تؤكّد هذا الحقّ، وتحضّ على دفع العدوان، ومقاومة المعتدين، وفي النصّ القرآني:
1- وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحبّ المعتدين.[11]
2- واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشدّ من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتّى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين.[12]
3- كُتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبّوا شيئاً وهو شرّ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون.[13]
4- يا أيها النبي حرّض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون.[14]
5- أُذن للذين يُقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير. الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حقّ إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدّمت صوامعٌ وبيعٌ وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز.[15]
6- ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين. إن يمسسكم قرح فقد مسّ القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحبّ الظالمين.[16]
7- ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليماً حكيماً.[17]
8- وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء يوفِّ إليكم وأنتم لا تظلمون.[18]
وقد جاءت أحاديث نبوية شريفة تحضّ على المقاومة، وتؤكّد شرعية هذا الحقّ منها:
1- من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد.[19]
العدوان في كثير من البلدان، وبشكل خاص فلسطين المحتلّة والعراق قائمٌ على الدين والمقدسات، وعلى النفس والأهل والدم والمال وسائر الحقوق لذلك يكون حقّ المقاومة أكيداً، وهو واجب على كلّ مستطيع، وفي الميدان الذي يستطيع.
2- أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟. قال: فلا تعطِه. قال: أرأيت إن قاتلني؟. قال: فاقتله. قال: أرأيت إن قتلني؟. قال: أنت شهيد. قال: أرأيت إن قتلته؟. قال: فهو في النار.[20]
3- رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، أجُري عليه رزقه، وأمن الفتّان.[21]
4- عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: أتى رجل رسول الله صلى عليه وسلّم فقال: أيّ الناس أفضل؟ قال: مؤمن يجاهد ينفسه وبماله في سبيل الله تعالى.[22]
وإذا كانت المقاومة ضرورة، والحرب أحد وسائل المواجهة فإن للحرب في الإسلام قواعد وآداب، وتفيد العودة هنا إلى التوجيه الذي أعطاه الخليفة الراشدي الأول أبو بكر الصّدّيق رضي الله تعالى عنه إلى أول جيش خرج في خلافته بقيادة أسامة بن زيد رضي الله عنهما، حيث جاء فيه:
لا تخونوا، ولا تغدروا، ولا تغلّوا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا طفلاً، ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً وتحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرّون بأقوام فرّغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرّغوا أنفسهم له.[23]
لكن ما يحدث أثناء المواجهة في ساحات المعركة أن يختلط الأعداء مع النساء والأطفال، أو أن يتترسوا بهم، وهذا ما يسمى اليوم بالدروع البشرية، فإن أبا الحسن الماوردي الفقيه الشافعي ذهب إلى الموقف التالي:
وإذا تترّسوا في الحرب بنسائهم وأطفالهم عند قتلهم، يُتوقّى قتل النساء والأطفال، فإن لم يوصل إلى قتلهم إلا بقتل النساء والأطفال جاز.[24]
وأما بشأن العمليات الإستشهادية الفدائية فإن الماوردي أجازها بشرطين فقال: ويجوز لأمير الجيش إذا حضّ على الجهاد أن يحرّض للشهادة من الراغبين فيها من يعلم أن قتله في المعركة يؤثِّر أحد أمرين:
أ- إما تحريض المسلمين على القتال حميّة له.
ب- وإما تخذيل المشركين بجراءته عليهم في نصرة الله.[25]
وإذا تمت العودة إلى بيان[26] مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف نجد فيه ما يلي: وفي عالم تتسع فيه ظواهر استخدام العنف لا يمكن التسوية بين عنف الطغاة الذين يغتصبون الأوطان، ويهدرون الكرامات، ويدنّسون المقدسات، وينهبون الثروات، متحدّين بهذا مبادئ العدالة الإنسانية، وقرارات الشرعية الدولية، نقول: لا يمكن التسوية بين عنف هؤلاء الطغاة المعتدين، وممارسة حقّ الدفاع المشروع، الذي يجاهد به المستضعفون لاستخلاص حقوقهم المشروعة، التي قررها لهم الحقّ الفطري في تقرير المصير، إضافة إلى الحقوق التي قررتها الشرعية الدولية.
أ- فآلة الحرب الصهيونية تغتصب أرض فلسطين، وتدنّس المقدسات على مرأى ومسمع من بعض القوى الكبرى، بينما تجاهد المقاومة الفلسطينية لتطبيق قرارات الأمم المتحدة المعطلة.
ب- ومحاربة الإرهاب –التي يؤيدها المجمع في بيانه هذا- لا تبرّر الإعتداء على شعب أفغانستان الفقير الأعزل، الذي تتعرّض مدنه وقراه ومساجده، وشيوخه ونساؤه وأطفاله ومقومات حياته لعدو
المزيد