التحول الديموقراطي واستقلالية القضاء

أكتوبر 17th, 2009 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , مقالات منشورة للباحث

التحول الديموقراطي واستقلالية القضاء
 
د.إدريس لكريني
 
عن الموقع الإلكتروني لمنبر الحرية
http://www.minbaralhurriyya.org
نسخة بصيغة البي دي إف من المقال
transition_democratique_et_indpendance_judiciaire
 
ترتبط الديمقراطية عادة بتداول السلطة بشكل مشروع وسلمي؛ بما يسمح بإشراك المواطنين في تدبير أمورهم والمساهمة في اتخاذ القرارات التي تهمهم، واحترام حقوق الإنسان مع القدرة على تدبير الاختلاف بشكل بناء.. وهي مسيرة معقدة ومركبة تحتاج إلى مجموعة من العوامل والشروط الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتربوية والقانونية والمؤسساتية..
ومعلوم أن هناك علاقة قوية متبادلة بين الممارسة الديموقراطية واستقلالية القضاء؛ فالديمقراطية تظل بحاجة ماسة إلى قضاء مستقل قادر على مقاربة مختلف القضايا والملفات بنوع من الجرأة والنزاهة والموضوعية؛ بعيدا عن أي تدخل قد تباشره السلطات الأخرى؛ مثلما يظل القضاء من جانبه بحاجة إلى شروط موضوعية وبيئة سليمة مبنية على الممارسة الديمقراطية تعزز من مكانته وتدعمه وتسمح له بتحقيق العدالة المنشودة وترسيخ المساواة أمام القانون؛ بعيدا عن أي استهتار أو انحراف بالقوانين.
إن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي شهدها المغرب فيما مضى؛ لم تكن لتقع بنفس الشكل والوتيرة (اختطافات واعتقالات تعسفية وتعذيب ودفن جماعي وإطلاق النار خلال أحداث اجتماعية شهدتها البلاد..) في وجود قضاء قوي ومستقل.
كما أن الانتخابات التي تفرز نخبا يفترض أن تتولى تدبير الشأن العام والوطني والسهر على قضايا المواطنين الحيوية؛ تتطلب وجود قضاء فعال ومستقل قادر على ضمان نزاهتها ومرورها في جو سليم وبناء؛ من خلال معاقبة المفسدين وتكريس تكافؤ الفرص واحترام إرادة الجماهير.
ولذلك فهناك عدد من الباحثين من يعتقد بأن وجود قضاء مستقل يؤكده ويحميه الدستور هو شرط أساسي للديموقراطية يتجاوز في أهميته إجراء الانتخابات ذاتها..
إن استقلالية القضاء تقتضي عدم وجود أي تأثير مادي أو معنوي أو تدخل مباشر أو غير مباشر وبأية وسيلة في عمل السلطة القضائية؛ بالشكل الذي يمكن أن يؤثر في عملها المرتبط بتحقيق العدالة، كما يعني أيضا رفض القضاة أنفسهم لهذه التأثيرات والحرص على استقلاليتهم ونزاهتهم.
وترسيخ استقلالية القضاء هو مدخل فعال للتغلب على الجريمة في مختلف أبعادها ووسيلة رئيسية لتكريس العدالة وحماية الحريات وضمان احترام حقوق الإنسان؛ وسيادة الثقة في القانون والمؤسسات والتشجيع على الاستثمار؛ كما أن هن

المزيد


واقع القضاء بالمغرب ومطلب الاستقلالية

سبتمبر 13th, 2009 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , مقالات منشورة للباحث

 واقع القضاء بالمغرب ومطلب الاستقلالية

 

 

د.إدريس لكريني

            

 للاطلاع على نسخة بصيغة البي دي إف منشورة في حريدة العرب الأسبوعي بتاريخ 11 شتنبر 2009؛ يرجى الضغط على الرابط أسفله:

  ref-justice-arab-2009

    

قطع المغرب في السنوات الأخيرة خطوات مهمة على طريق الإصلاح الديموقراطي؛ وتعزيز الحقوق والحريات؛ في سياق تفاعل إيجابي مع المتغيرات المحلية المرتبطة بتنامي مطالب المجتمعين السياسي والمدني في هذا الاتجاه، ومع التحولات الدولية الكبرى التي أفرزتها نهاية الحرب الباردة وما رافق ذلك من تزايد للاهتمام الدولي بقضايا الديموقراطية وحقوق الإنسان..

وفي هذا السياق؛ تحققت بعض المكتسبات على طريق إصلاح القضاء؛ حيث أحدثت المحاكم الإدارية؛ التي تختص بالنظر في طلبات إلغاء قرارات السلطات الإدارية بسبب تجاوز السلطة وغيرها من القضايا الأخرى.. وتم استبدال الغرفة الدستورية في المجلس الأعلى؛ بالمجلس الدستوري الذي يسهر على مراقبة دستورية القوانين؛ كما تم إلغاء محكمة العدل الخاصة؛ وإصدار العديد من النصوص والتشريعات القانونية كمدونة الأسرة ومدونة الشغل.. ومراجعة قوانين أخرى..

غير أن مجمل هذه الإصلاحات التي طالت حقل القضاء؛ لم تكن بالنجاعة والفعالية التي تضمن استقلاليته؛ على الرغم من كثرة الانتقادات الموجهة له؛ الأمر الذي يمثل تشويشا على مختلف الإنجازات السياسية والاجتماعية التي حققها المغرب.

إن استقلالية القضاء تقتضي عدم وجود أي تأثير مادي أو معنوي أو تدخل مباشر أو غير مباشر وبأية وسيلة في عمل السلطة القضائية؛ بالشكل الذي يمكن أن يؤثر في عملها المرتبط بتحقيق العدالة، كما يعني أيضا رفض القضاة أنفسهم لهذه التأثيرات والحرص على استقلاليتهم ونزاهتهم.

وترسيخ استقلالية القضاء هو مدخل فعال للتغلب على الجريمة في مختلف أبعادها ووسيلة رئيسية لتكريس العدالة وحماية الحريات وضمان احترام حقوق الإنسان؛ وسيادة الثقة في القانون والمؤسسات والتشجيع على الاستثمار؛ كما أن هناك علاقة وطيدة بينه وبين بناء مجتمع ديموقراطي.

ويفترض أن يقوم مبدأ استقلالية القضاء على مجموعة من المرتكزات التي تعززه؛ من قبيل اختيار قضاة من ذوى الكفاءات والقدرات التعليمية والتدريبية المناسبة، ومنحهم سلطة حقيقية تتجاوز الصلاحيات الشكلية؛ وتسمح للقضاء بأن يحظى بنفس القوة المتاحة للسلطتين التشريعية والتنفيذية؛ وتجعله مختصا على مستوى طبيعة الهيئة القضائية والصلاحيات المخولة؛ مع توفير الشروط اللازمة لممارستها في جو من الحياد والمسؤولية، بالإضافة إلى وجود ضمانات خاصة بحماية القضاة من أي تدخل يمكن أن تباشره السلطتين التشريعية والتنفيذية في مواجهة أعمالهم أو ترقيتهم أو عزلهم؛ وإحداث نظام تأديبي خاص بهم، كما يتطلب وجود هيئة مستقلة تسهر على اختيار القضاة وتعيينهم على أساس الكفاءة وتأديبهم.

وينطوي مبدأ فصل السلطات على أهمية كبرى على اعتبار أنه يحدد مجال تدخل كل سلطة على حدة ويمنع تجاوزها؛ فالسلطة التنفيذية لا يجوز أن تتطاول على المهام القضائية بالضغط أو التأثير؛ أو الامتناع عن تنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة في حقها من قبل مختلف المحاكم؛ أو تعطيل تنفيذها أو توجيه النقد إليها؛ مع الحرص على توفير الشروط التقنية والمادية الكفيلة بضمان حسن سير العدالة.

وعلى السلطة التشريعية أيضا؛ ألا تتدخل في أي منازعة تندرج ضمن الاختصاص المخول للقضاء؛ أو منح جزء من صلاحياته إلى جهات أخرى.

غير أن هذا المبدأ لا يعني الفصل الصارم والمطلق بين السلطات الثلاث (السلطة التشريعية؛ السلطة التنفيذية؛ السلطة القضائية) ذلك أن القاضي يظل بحاجة إلى سلطة تنفيذية تسمح بتنفيذ الأحكام والقرارات، وإلى قوانين ملائمة تصدرها السلطة التشريعية؛ كما أن المشرع بدوره يظل بحاجة إلى السلطة التنفيذية والقضائية؛ والسلطة التشريعية بح

المزيد


المغرب وتجربة المصالحة والإنصاف

يوليو 20th, 2009 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , مقالات منشورة للباحث

المغرب وتجربة المصالحة والإنصاف

 

إدريس لكريني- أستاذ بكلية الحقوق، مراكش

ضمن التطورات التي يشهدها المغرب في مسار حقل حقوق الإنسان منذ منتصف التسعينيات، تم إحداث هيئة المصالحة والإنصاف كتجربة متميزة وفريدة في العالم العربي، وذلك كسبيل لتأمين طي صفحات قاتمة من تاريخ المغرب الحديث ولرد الاعتبار إلى ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي شهدها المغرب وتأمين انتقال ديموقراطي مرن.

 حيث عهد لأحد ضحايا هذه الانتهاكات برئاستها، الأمر الذي أضفى على التجربة دلالة رمزية مهمة.

أولا: تطور ملموس في مجال حقوق الإنسان

شهد المغرب خلال العقد الأخير حركية مهمة، استهدفت تعزيز حقوق الإنسان، في سياق تفاعل إيجابي مع المتغيرات المحلية المرتبطة بتنامي مطالب المجتمعين السياسي والمدني في هذا الاتجاه، ومع التحولات الدولية الكبرى التي أفرزها انهيار المعسكر الشرقي وما رافق ذلك من تزايد للاهتمام الدولي بقضايا الديموقراطية وحقوق الإنسان..

وهكذا وفي سياق تكييف المنظومة القانونية والمؤسساتية الداخلية مع المعايير الدولية المتعارف عليها في مجال حقوق الإنسان الذي نصت عليه ديباجة الدستور المغربي لسنة 1996، تم إحداث مجموعة من المؤسسات (المحاكم الإدارية، المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وزارة خاصة بحقوق الإنسان، مؤسسة الوسيط، والي المظالم وهيئة التحكيم..).

وصدرت العديد من النصوص والتشريعات القانونية التي تصب في هذا الاتجاه كمدونة الشغل ومدونة الأسرة..

 وفي ظل هذه الظرفية أيضا، قامت السلطات المغربية بالتصديق على مجموعة من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية المرتبطة بهذا الشأن، وباتخاذ مجموعة من التدابير التي استهدفت الحسم مع ملفات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي شهدها المغرب منذ استقلاله، حيث تم إطلاق سراح المعتقلين السياسيين كما سمح للعديد من المنفيين بالعودة إلى أرض الوطن..

وكتتويج لهذه الجهود أيضا، تم تشكيل هيئة المصالحة والإنصاف بأمر ملكي بتاريخ 7 يناير 2004 كخطوة جادة من أجل طي صفحات مؤلمة من تاريخ المغرب المستقل؛ وكمدخل لبناء مجتمع حداثي وتوفير شروط مناسبة وملائمة لانتقال ديموقراطي سلس.

ثانيا: المصالحة والإنصاف لطي صفحات قاتمة

كلفت اللجنة التي شكلت من نخبة من الناشطين والمناضلين الحقوقيين والمعتقلين السياسيين السابقين، بمهمة مقاربة سياسية للملفات المرتبطة بالانتهاكات الجسيمة التي شهدها المغرب ما بين سنة 1956 و1999، تكفل رد الاعتبار للضحايا وتمكن المتضررين من تعويضات مادية، وطلب منها أيضا تقديم مجموعة من الخلاصات والتوصيات والاقتراحات القانونية والإجرائية، في سبيل الحسم مع هذه المرحلة لتجاوز تلافي وقوع نفس الأحداث في المستقبل.

وتدخل هذه التجربة في إطار ما يعرف دوليا بالعدالة الانتقالية التي تؤمن تحولا سياسيا مرنا وهادئا، وتسمح بمصارحة الذات والتاريخ والعمل على تلافي التجارب القاسية في المستقبل.

وتحفل الممارسة الدولية بتجارب متباينة في هذا السياق، كما هو الشأن بالنسبة للبيرو أو بعض دول أوربا الشرقية بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، وتظل تجربة الهيئة التي ترأسها "ديسمون توتو" في جنوب إفريقيا التي اجتازت سنوات صعبة وقاسية من نظام الأبرتايد، من بين أهم وأرقى التجارب النموذجية في هذا المجال.

وتستأثر التجربة المغربية بمجموعة من الخصوصيات، فإذا كانت معظم اللجن التي شكلت أو تشكل في مثل هذه الحالات؛ تكمن وظيفتها الأساسية في خلق معبر مناسب لتجاوز صعاب الماضي والولوج إلى واقع سياسي جديد، ففي المغرب تمت مقاربة الملفات في إطار نفس النسق السياسي والدستوري والإداري.. كما أنه وعلى خلاف مجموعة من التجارب الدولية في هذا الشأن والتي تم الحسم فيها مع مراحل قاسية من تاريخها بمقاربة قضائية، فقد اختار المغرب من خلال هذه الهيئة مسلكا آخر قوامه المقاربة السياسية.

وهكذا وبعد إحداثها، قامت الهيئة – الإنصاف والمصالحة - بعقد جلسات استماع عمومية(نقلت مباشرة عبر وسائل الإعلام المغربية المرئية

المزيد


أزمة تجديد النخب في المشهد الحزبي المغربي

يوليو 19th, 2009 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , مقالات منشورة للباحث

أزمة تجديد النخب في المشهد الحزبي المغربي 

461pet

 د.ادريس لكريني*

 لم يقتنع بعد عدد من قادة الأحزاب المغربية القدامى الذين يلوحون بالشرعية التاريخية كل حين؛ بأهمية فتح الفرص أمام الفعاليات الشابة التي أثبتت جدارتها وإمكانياتها في عدد من المجالات والميادين؛ لتحتل مواقع قيادية داخل الأحزاب السياسية؛ وتسهم في إخراج الأحزاب من جمودها وانغلاقها؛ والمؤسف أن هذه الظاهرة غير السليمة أصبحت تطبع عمل عدد كبير من الأحزاب بما فيها تلك تعتبر نفسها محسوبة عن الصف الديموقراطي.

فقد أضحى عدد من الأحزاب السياسية المغربية؛ مجرد مؤسسات مغلقة؛ تغيب فيها مظاهر الشفافية والممارسة الديموقراطية؛ بل ووصل ارتباطها بأشخاص معينين في المخيال الشعبي إلى حد الحديث عن حزب فلان بدل التركيز عن اسم الحزب أو إديولوجيته.

وهذا أمر يترجم الهالة التي تعطى للزعيم الحزبي أو التي يحاول أن يخلقها لنفسه والتي تسمح له في كثير من الأحيان بتحويل الهزائم إلى انتصارات وإطلاق وتوظيف خطابات وشعارات وتصورات لا تتلاءم وتحديات وواقع المرحلة الراهنة؛ ومعلوم أن الممارسة الحزبية في عدد من الديموقراطيات التقليدية أو الفتية حسمت مع هذه المظاهر المتجاوزة.

 إن هذه الوضعية لا يمكن أن نفصلها عن الحالة المزرية التي تعيشها معظم الأحزاب؛ التي لم تستطع تطوير أدائها، وظلت تعيش أزمة حقيقية على مستوى تدبير اختلافاتها الداخلية وبلورة وظائفها الاجتماعية والسياسية والتربوية المفترضة، فالديموقراطية الداخلية تصبح بدون جدوى كلما تم الاقتراب من مراكز القرار داخل الهياكل الرئيسية للحزب؛ حيث يفرض أسلوب التزكية والتعيين نفسه بقوة؛ ويسود منطق الوراثة في بناء الشرعية السياسية؛ بالشكل الذ

المزيد


السيناريوهات المحتملة لحل قضية الصحراء

أبريل 30th, 2009 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , مقالات منشورة للباحث

السيناريوهات المحتملة لحل قضية الصحراء

 

د.إدريس لكريني- أستاذ الحياة السياسية؛ كلية الحقوق؛ مراكش

مقالة منشورة بجريدة الصحراء الأسبوعية؛ العدد 28 بتاريخ 27 أبريل-3 مايو 2009

 

أضحت قضية الصحراء من ضمن أقدم الملفات الدولية الشائكة التي لم يكتب لها الحسم بعد، رغم تداعياتها السلبية على المنطقة برمتها.

 وأمام الوضعية المأزومة والحرجة التي وصل إليها الملف؛ نتيجة استحالة تطبيق خيار الاستفتاء؛ وازدياد المخاوف من انهيار اتفاقيات وقف إطلاق النار المبرمة بين الجانبين(المغرب والبوليساريو)؛ قام المغرب بطرح مبادرة الحكم الذاتي، كاقتراح يستلهم صورا من تجارب دولية عديدة، أعطى من خلالها إشارات إيجابية للطرف الآخر وللأمم المتحدة وللقوى الدولية بجدية جهوده لإيجاد تسوية ملائمة وواقعية للمسألة؛ مما أعاد الأمل من جديد بإمكانية التوصل إلى حل يرضي الطرفين، وخلف ردود فعل دولية إيجابية.

والحكم الذاتي هو وسيلة تستمد مقوماتها من القانون الدستوري للدول، اعتمدتها العديد من الأنظمة كسبيل لتدبير بعض الاختلافات العرقية أو الثقافية.. داخل بعض الأقاليم، عبر منحها استقلالا لممارسة مجموعة من الصلاحيات في إطار لا مركزية سياسية؛ تحت إشراف السلطة المركزية، وهو بذلك يجسد حلا توفيقيا بين مطالب الاستقلال من جهة ومطالب فرض السيادة الكاملة.

إن الممارسة الدولية تحفل بتجارب نموذجية رائدة في هذا الشأن؛ سواء داخل الدول البسيطة كفرنسا وإسبانيا.. أو المركبة كبريطانيا وألمانيا.. والتي أثبتت نجاعتها على مستوى تدبير العديد من الصراعات الإقليمية أو العرقية المزمنة.

فهذه المبادرة تندرج في إطار "بناء مجتمع ديموقراطي حداثي يرتكز على مقومات دولة القانون والحريات الفردية والجماعية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية"، وهي مبادرة التزم المغرب بأنه "يكفل من خلالها لكافة الصحراويين مكانتهم اللائقة ودورهم الكامل في مختلف هيئات الجهة ومؤسساتها، بعيدا عن أي تمييز أو إقصاء"، كما أن الفقرة 27 من المقترح المغربي تنص على أنه: "يكون نظام الحكم الذاتي للجهة موضوع تفاوض، ويطرح على السكان المعنيين بموجب استفتاء حر، ضمن استشارة ديمقراطية..".

ويلاحظ أن المشروع لم يتحدث بتفصيل عن محددات الحكم الذاتي؛ بقدر ما حدد توجهاته العامة، وذلك لإتاحة الفرصة في هذا الصدد لما قد يتم بلورته من معطيات ومقترحات تفصيلية بناءة ستعززه؛ من خلال المفاوضات المباشرة بين الطرفين.

وإن كان المشروع يحرص على سيادة المغرب في الأقاليم الصحراوية؛ من خلال احتفاظ الدولة بمجموعة من الصلاحيات السيادية المرتبطة بالعلم والنشيد الوطني والعملة والاختصاصات الدستورية والدينية للملك والدفاع والعلاقات الخارجية..؛ فهو ينص على مجموعة من الصلاحيات الحيوية والهامة التي ستخول للسكان؛ مع التأكيد على الانضباط للمقاييس الدولية المتعارف عليها في هذا الشأن.

ونال موضوع السكان المحتجزين واللاجئين في مخيمات تندوف أو الصحراويين المتواجدين في مناطق أخرى والعائدين إلى أرض الوطن؛ عناية واهتماما من قبل المشروع الذي سعى إلى إعادة الاعتبار إليهم وسعى لضمان كرامتهم وسلامتهم كمواطنين؛ حيث نصت الفقرة الثلاثون منه على أنه: "تتخذ المملكة المغربية كافة الإجراءات اللازمة من أجل إدماج الأشخاص الذين تتم عودتهم إلى الوطن، إدماجا تاما في حظيرته، وذلك في ظل ظروف تكفل الحفاظ على كرامتهم وسلامتهم وحماية ممتلكاتهم". ولهذه الغاية تصدر المملكة بالخصوص عفوا شاملا يستبعد أي متابعة أو توقيف، أو اعتقال أو حبس أو أي شكل من أشكال الترهيب، يبنى على وقائع مشمولة بهذا العفو(الفقرة 31 من المشروع).

وبغض النظر عن المواقف المتباينة للطرفين، فإن الجلوس إلى مائدة المفاوضات تحت إشراف الأمم المتحدة؛ ومباركة القوى الدولية الكبرى وفي ظرفية دولية مفعمة بالتحديات الكبرى؛ شكل عملا كبيرا على درب التوصل إلى حل عادل ونهائي.

غير أن الصعوبات التي رافقت المسار التفاوضي؛ نتيجة استمرار الموقف المعادي للجزائر وتعنت البوليساريو؛ أكدت أن بلورة حل نهائي يحظى برضى الطرفين لن يكون بالأمر الهين.

 وهو ما يجعلنا أمام ثلاث سيناريوهات محتملة لحل القضية؛ فهناك إمكانية بلورة حل تفاوضي يحظى برضى الطرفين؛ في إطار أرضية مشروع الحكم الذاتي؛ وبخاصة وأن تطبيق هذا المشروع يمكن أن يكون امتدادا لتقرير المصير الذي تركز عليه الجزائر والبوليساريو؛ إذا ما مورس في إطار ديموقراطي وضمن اختصاصات حيوية وهامة.. تنسجم مع واقع الحال الذي تشكل في المنطقة على امتداد أكثر من ثلاثة عقود..

ويجد هذا الرأي أساسه في كون أن العديد من المبادئ التي أقرها القانون الدولي من قبيل عدم التدخل في الشؤون الداخلية والمساواة في السيادة.. تطورت ولم تعد بالقداسة والصرامة؛ كما كانت عليه في السابق؛ نتيجة لمجموعة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي أفرزها تطور العلاقات الدولية في العقود الثلاث الأخيرة.

أما السيناريو الثاني؛ وفي حالة إصرار الجزائر والبوليساريو على مواقفهما؛ فهو بقاء الأمور على حالها؛ غير أن هذه الوضعية ينبغي أن لا تمنع المغرب من السير قدما في تطبيق مشروعه المرتبط بالحكم الذاتي؛ ضمن مقاربة ديموقراطية تسمح بإشراك فعال للسكان في تدبير مختلف شؤونهم؛ وببلورة تنمية حقيقية تركز على الإنسان باعتباره وسيلة وهدف

المزيد


عندما يعدو الدفاع الشرعي ذريعة للعدوان!

أبريل 27th, 2009 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , غير مصنف, مقالات منشورة للباحث

عندما يعدو الدفاع الشرعي ذريعة للعدوان!
 
 
مقالة جديدة للأستاذ إدريس لكريني
 
يوضح الدكتور إدريس لكريني من خلال هذا المقالة كيف أن الممارسة الدولية تحفل بحالات كثيرة من استثمار للقوة في تدبير المنازعات والخلافات؛ بذريعة ممارسة حق الدفاع الشرعي مما يساهم في تكريس الفوضى في العلاقات الدولية؛ ويشجع بعض الدول على ارتكاب سلوكيات انتقامية وعلى الاعتداء على دول أخرى بتهم وذرائع مختلفة ويشجع على تكريس اللجوء إلى القوة العسكرية لتسوية الخلافات

المزيد


الوسط الجامعي العربي وواقع حقوق الملكية الفكرية

مارس 9th, 2009 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , مقالات منشورة للباحث

 الوسط الجامعي العربي وواقع حقوق الملكية الفكرية

يتوقف الدكتور إدريس لكريني في هذا المقال على التحديات التي تواجه أدق وأسمى الحقول المعرفية ألا و هو البحث العلمي، ويحاول من خلاله تسليط الضوء على معضلة تنخر حقل المعرفة العلمية في عالمنا العربي: ارتفاع وتيرة السرقات العلمية

المزيد


المحكمة الجنائية الدولية والعدالة المؤجلة

فبراير 12th, 2009 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , جديد الباحث, مقالات منشورة للباحث

المحكمة الجنائية الدولية والعدالة المؤجلة
 
 

121769

 
د.إدريس لكريني
 
 
عرفت العدالة الجنائية الدولية تطورا ملحوظا في العقود الأخيرة، وتبدو الممارسة الدولية منذ مطلع القرن العشرين حافلة بحالات من المحاكمات الدولية للأفراد أمام هيئات قضائية خاصة، ففي عام 1945 تشكلت محكمة «نورنبرغ» بموجب اتفاقية موقعة في لندن بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفييتي، اختصت بالنظر في الجرائم المرتكبة ضد السلم والإنسانية التي ارتكبها الألمان خلال الحرب العالمية الثانية؛ كما أنشئت في نفس السياق المحكمة العسكرية الدولية للشرق الأقصى في طوكيو سنة 1946؛ اختصت بمتابعة مجرمي الحرب اليابانيين بسبب ارتكاب نفس الجرائم، هذا بالإضافة إلى المحكمة الجنائية ليوغوسلافيا السابقة لسنة 1993 والمحكمة الجنائية لرواندا لسنة 1994 اللتين أحدثا بموجب قرارين صادرين عن مجلس الأمن.
وقد تميز القضاء الجنائي الدولي خلال هذه المحاكمات بالانتقائية وذلك لارتباطه بحالات بعينها، حيث ظلت حالات أخرى أكثر إلحاحا وضرورة على الهامش وبمنأى عن أي اهتمام ومتابعة؛ مما جعل المتورطين فيها بعيدين عن أي متابعة قضائية محلية أو دولية؛ كما هو الشأن بالنسبة إلى جرائم ارتكبت في كل من فلسطين والشيشان والعراق.. كما تميز أيضا بخضوعه لإرادة القوى الدولية الكبرى، حيث ظلت أحكامه (القضاء الجنائي الدولي) مرهونة بالإرادة السياسية لهذه القوى وتقلب مصالحها؛ بالشكل الذي جعله يجسد في كثير من الحالات عدالة القوي والمنتصر.
وشكل التذرع بقدسية سيادة الدول ومبدأ عدم التدخل عاملا حاسما في تأجيل وتعطيل إنشاء محكمة جنائية دائمة رغم ملحاحية وجودها منذ زمن بعيد، غير أن تزايد الحروب والنزاعات الداخلية والدولية وما خلفته من جرائم إنسانية خطيرة في مناطق مختلفة من العالم (رواندا، الصومال، يوغوسلافيا السابقة…) التي استعملت فيها كل أشكال التقتيل والتدمير؛ وما ترتب عن ذلك من جرائم وتنكر صارخ لحقوق الإنسان؛ أسهم في بلورة إرادة دولية جدية باتجاه الإسراع بتأسيس المحكمة الجنائية الدولية الدائمة التي جاءت نتاج جهود دولية قادتها دول ومنظمات غير حكومية عديدة.
أحدثت المحكمة الجنائية الدولية بناء على قرار صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة (رقم (50/46) بتاريخ 11- 12- 1995)؛ وأنيطت بها مهمة ملاحقة ومحاكمة الأشخاص المتورطين في جرائم ضد الإنسانية، والعمل على منع أي إفلات من المتابعة القضائية تحت أي غطاء أو ذريعة.
وهي هيئة مستقلة عن الأمم المتحدة من حيث التمويل والموظفين؛ يقع مقرها في هولندا؛ وتظل قادرة على مباشرة اختصاصاتها في أي منطقة من العالم.
وتقوم المحكمة على مجموعة من المبادئ التي يمكن إجمالها في ما يلي:
أ- فهي تمثل قضاء دوليا ترتكز ولايته أساسا على إرادة الدول الموقعة منها والمنشئة للمحكمة
ب- يعد اختصاص المحكمة مكملا للقضاء الداخلي وليس بديلا عنه
ج- يقتصر اختصاص المحكمة على ثلاث جرائم وهي: جرائم الحرب، الجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة الجنس البشري؛
د- المسؤولية المعاقب عليها تظل مسؤولية شخصية.
وقد بلغ عدد الدول التي صادقت على معاهدة روما 106 دول من بينها أربع دول أعضاء في جامعة الدول العربية (الأردن؛ جيبوتي؛ جزر القمر؛ اليمن) وذلك من أصل 139 دولة وقعت على نظام المحكمة؛ ومن مجموع 192 دولة عضو بالأمم المتحدة؛ وهو ما يبرز الرغبة المتزايدة والعزم الأكيد في أوساط المجتمع الدولي لتعزيز مكانة ومصداقية هذا الجهاز الدولي باتجاه تطوير وتعزيز عدالة جنائية دولية تسمح بمعاقبة المتورطين في جرائم خطيرة ضد الإنسانية.
غير أن هذه الآمال والطموحات ستصطدم بعدد من الصعوبات والإكراهات التي ستشوش على مسار المحكمة وتعوق إرساء مبدأ الإفلات من العقاب وتحول دون بلورة عدالة جنائية دولية صارمة.
فقد أبدت مجموعة من الدول تحفظها تارة وتخوفها تارة أخرى من المصادقة على نظام المحكمة؛ متذرعة في ذلك بأن من شأن هذه الخطوة أن تفتح للمحكمة مجالا واسعا للتدخل في سيادتها؛ وبخاصة وأن قانون روما يتضمن مجموعة من المقتضيات التي تتعارض مع بنود دساتير بعض الدول في ارتباطها برفض نظام الحصانات ضد المحاكمات الجنائية الممنوح بموجب عدد من الدساتير لبعض الأشخاص بصفتهم المدنية والعسكرية (رئيس الدولة والمسؤولون الحكوميون والبرلمانيون)، والذي يتعارض مع المادة 27 من القانون الأساسي للمحكمة؛ وفرض تسليم الأشخاص المتهمين في جرائم تندرج ضمن اختصاصات المحكمة، والذي يتعارض مع عدد من الدساتير أيضا؛ وعدم القبول بتقادم الجرائم المدرجة ضمن هذا السياق؛ بالإضافة إلى رفض حق العفو الذي يملكه رؤساء الدول؛ وبخاصة في ما يتعلق بالجناة المتورطين في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية..
وقد تناست هذه الدول أن تأهيل القوانين الوطنية وتحمل المسؤولية إزاء محاكمة مرتكبي الجرائم الخطيرة التي تدخل ضمن اختصاصات المحكمة من خلال قضاء وطني مستقل ونزيه وفعال يقوي سيادتها أيضا؛ سيقطع الطريق على تدخل المحكمة ما دامت ولايتها تكميلية وليست بديلة.
بينما نجد أن هناك بعض النواقص التي شابت بنود النظام الأساسي للمحكمة، من قبيل عدم إدراج استخدام الأسلحة غير المشروعة دوليا في النزاعات العسكرية في لائحة الجرائم الإنسانية التي تدخل ضمن اختصاصات المحكمة.
ونفس الشيء يمكن أن يقال أيضا عن جريمة العدوان التي تنامت مظاهرها في الممارسة الدولية خلال السنوات الأخيرة مع ما تخلفه من آثار كارثية على الإنسان والبيئة والمعمار… حيث نصت الفقرة الثانية من المادة الخامسة لنظام روما على أنه: «تمارس المحكمة الاختصاص على جريمة العدوان متى اعتمد حكم بهذا الشأن».
ومن جهة أخرى؛ تنص المادة 98 من نظام المحكمة على أنه: «لا يجوز للمحكمة أن توجه طلب تقديم يتطلب من الدولة الموجه إليها الطلب أن تتصرف على نحو لا يتفق مع التزاماتها بموجب اتفاقات دولية تتعلق بحصانات الدولة أو بالحصانة الدبلوماسية لشخص.. إلا في حالة في حالة موافقة الدولة المرسلة كشرط لتقديم شخص تابع لتلك الدولة إلى المحكمة، ما لم يكن بوسع المحكمة أن تحصل أولا على تعاون الدولة المرسلة لإعطاء موافقتها على التقديم»؛ وهذه الإمكانية تتيح للدول فرصة لاستثمار هذا المدخل القانوني لحماية الجناة من مواطنيها عبر إبرام اتفاقات تعرقل عمل المحكمة وتحول دون متابعة المتورطين في جرائم خطيرة تدخل ضمن ولايتها؛ وهو ما بالغت الولايات المتحدة في استخدامه؛ خاصة وأنها تعتبر أكبر وأقوى دولة من حيث الانتشار والحضور العسكريين الدوليين؛ وما يتبع ذلك من تورط جنودها في ممارسات مسيئة للقانون الدولي بشكل عام ولحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني على وجه الخصوص.
وعلاوة على هذه الإشكالات التي تشوش على مسار المحكمة الجنائية وتحول دون بلورة قضاء جنائي دولي قوي؛ هناك عامل آخر يحد من فعالية أداء المحكمة ويمكن أن يؤدي إلى تسييس العدالة؛ ويتعلق الأمر بالصلاحيات التي خولها نظام المحكمة لمجلس ا

المزيد


المدونون العرب وقضايا المجتمع

يناير 27th, 2009 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , مقالات منشورة للباحث

المدونون العرب وقضايا المجتمع

 blog

منشور في القدس العربي

blogarabalquds.pdf 

د.إدريس لكريني

 تنامت ظاهرة التدوين بشكل مكثف ولافت في السنوات الأخيرة؛ بالموازاة مع التطورات التي طالت مجال التكنولوجيا الحديثة عموما وحقل الأنترنت على وجه الخصوص؛ وأضحت هذه المنابر تتطور بصورة متسارعة دخلت من خلالها عالم المنافسة إلى جانب مختلف القنوات الفكرية والثقافية والإعلامية.. التقليدية.

 وقد أسهم توافر مجموعة من العوامل والشروط في هذا التصاعد والتطور؛ فعلاوة عن وجود قوالب جاهزة تقدمها بعض المواقع المهتمة بهذا الشأن لمرتاديها.. وعدم تكلفتها المادية.. إضافة إلى إمكانية فتحها – المدونات - بأسماء مستعارة تسمح بمقاربة المواضيع ونشر الأفكار بجرأة وموضوعية؛ بعيدا عن أي إكراه أو ضغط موضوعي أو نفسي.. فإن هذه التقنية تتيح إمكانيات تواصلية وإبداعية جمة..

وضمن هذا السياق؛ أكدت بعض الإحصائيات أن عدد المدونات بلغ إلى حدود شهر سبتمبر/ أيلول 2007؛ ما يناهز 106 مليون مدونة بلغات مختلفة؛ وهو رقم مرشح لمزيد من التطور والارتفاع.

وفي المنطقة العربية التي تعيش عددا من الإكراهات والمشاكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.. تزايد الإقبال على إحداث مدونات تعنى بمختلف الشؤون والقضايا والاهتمامات..

ولعل التساؤلات التي تظل مطروحة أمام هذه المعطيات هي: ما هي الإمكانات والفرص التي تتيحها المدونات في منطقتنا العربية الذي تعاني معظم أقطارها من مجموعة إكراهات ومشاكل اجتماعية وسياسية واقتصادية.. مختلفة؟ وكيف يمكن استثمار هذه التقنية الواعدة لخدمة قضايا الوطن العربي في عالم يتطور بسرعة فائقة؟ وكيف يمكن تطوير أدائها في هذا الصدد؛ وتجاوز مختلف الإشكالات والصعوبات التي تواجه مسارها السليم؟

                       إمكانات مذهلة في محيط مأزوم

نظرا لحيويته وأهميته؛ لقي التدوين إقبالا واسعا في المنطقة العربية؛ حيث برزت العديد من المدونات التي تهتم بمختلف القضايا والشؤون(ثقافية، علمية، سياسية، اجتماعية، رياضية، فنية، بيئية؛ تاريخية؛ دينية؛ تربوية، شخصية، إبداعية..)؛ إلى الحد الذي اعتبر فيه البعض أن هذه الإمكانية انتقلت من مجرد هواية ظهرت لأول مرة بالولايات المتحدة في منتصف التسعينيات من القرن المنصرم؛ إلى قوة ضغط حقيقية في السنوات الأخيرة. 

وهكذا مكنت التطورات الحاصلة في مجال التدوين من تجاوز احتكار الدول بقنواتها الإعلامية والتربوية والثقافية للمعلومة والأخبار ووسائل التعبير بصفة عامة.. بل إنها أضحت في الواقع منافسا حقيقيا لهذه القنوات؛ وهو ما تؤكده نسبة التردد والمقروئية المتزايدة يوما بعد يوما لعدد من هذه المدونات؛ التي أتاحت إمكانيات فائقة في التواصل بين مختلف الأشخاص في مختلف المناطق؛ وتبادل الأفكار بصدد عدد من القضايا؛ بعدما أسهمت في تكسير الحدود الجغرافية والاجتماعية والسياسية بين الدول لتعزز تواصلا أكثر نجاعة وتطورا..

ولعل ما يمنح هذه المدونات مصداقية في نظر مرتاديها؛ هو استثمارها لهامش الحرية الذي تتيحه الشبكة العنكبوتية للمعلومات؛ وعدم الخشية من مقص الرقابة الحكومية الذي لم يعد قادرا على التحكم في هذا المجال المنفلت؛ مما يمكنها من طرح مواضيع وقضايا سياسية واجتماعية وشخصية.. جريئة؛ لا تجد طريقها للمتلقي عادة إلا من خلال هذه التقنية بأسلوب مبسط وساخر أحيانا؛ عكس التقنيات التقليدية التي طالما تغلق أبوابها أمام طرح عدد من هذه القضايا؛ أو تقاربها في أحسن الأحوال

المزيد


الجامعة العربية في زمن التحديات: مكامن الخلل وسبل الإصلاح

يناير 15th, 2009 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , مقالات منشورة للباحث

الجامعة العربية في زمن التحديات

مكامن الخلل وسبل الإصلاح 

 

  إدريس لكريني- أستاذ باحث، كلية الحقوق، مراكش

تأسست جامعة الدول العربية في الثاني والعشرين من شهر مارس لسنة 1945, وذلك في ظروف دولية وعربية صعبة، فكانت بمثابة هيئة تضمن احترام سيادة واستقلال الدول الأعضاء, وبمثابة إطار عام للنظام الإقليمي العربي. ويمكن تقسيم المراحل التاريخية التي مرت بها هذه الهيئة, تبعا لتطور العلاقات العربية إلى أربعة: مرحلة التأسيس وإثبات الذات (1945-1960), ومرحلة تكريس وحدة الصف العربي (1964-1978), ومرحلة تصدع البعد القومي )1978-1990(, ثم مرحلة انهيار النظام العربي عقب حرب الخليج الثانية.

ولعل المتأمل في تاريخ العلاقات العربية البينية, يجد أنه ومنذ استقلال هذه البلدان, تراوحت علاقاتها بين الخلافات والصراعات أحيانا, والميل نحو التعاون والتضامن أحيانا، فبعد التضامن الذي حدث –مثلا- في أعقاب هزيمة يونيو 1967 وحتى حرب أكتوبر 1973، حلت مرحلة من الانشقاق بسبب الخلاف المصري العربي, بعد إقدام السادات على توقيع معاهدة كامب دايفيدمع إسرائيل , وبعد انعقاد قمتي عمان والدار البيضاء (الفترة ما بين 1987 و 1990) وعودة العلاقات العربية-المصرية إلى طبيعتها، برز نوع من التضامن العربي من جديد، إلى أن حدث الانقسام والشرخ بفعل تباين المواقف تجاه أزمة الخليج الثانية، بين دول رفضت الغزو العراقي للكويت واستنكرته, ودول أخرى فضلت الاعتراض على هذا الاستنكار، فيما نهج البعض منها موقفا محايدا, وهو ما أدى إلى تدهور العلاقات العربية البينية من جديد, مما نتج عنه تضارب في المواقف بشأن مسلسل التسوية السلمية في الشرق الأوسط، حيث برزت أزمة ثقة بين هذه الدول, وتدنت مستويات التنسيق فيما بينها على مختلف الأصعدة، وفي الوقت الذي أصبحت تتجه فيه أوربا نحو الوحدة السياسية والاقتصادية متجاوزة كل الخلافات، أضحى العالم العربي يسير باتجاه المزيد من  التنافر والتفكك والعزلة.

وعلى الرغم من الجهود التي قامت بها هذه المنظمة في سبيل إدارة العديد من الأزمات العربية وتعزيز العمل العربي المشترك، فإن هناك حالات من الضعف والقصور رافقتها منذ قيامها، أسهمت في تخلفها مقارنة مع التنظيمات الإقليمية الرائدة في مختلف المناطق من العالم.

وكان من الطبيعي في ظل هذا الجو المفعم بالتوتر والخلافات أن تطفو على السطح خلافات عربية عربية بشأن قضايا حدودية بين اليمن والسعودية، وبين مصر والسودان وبين قطر والسعودية وبين عمان والإمارات..، وهذا ما أسهم بدوره في تعميق الهوة وتكريس التجزئة بين هذه الدول.

كما كان من الطبيعي أيضا أن تتزايد التدخلات الدولية بشتى أشكالها في العديد من الأقطار العربية, تحت ذرائع ومبررات عديدة, فمن حرب الخليج الثانية وما تلاها من حصار وعمليات عسكرية توجت باحتلال العراق, إلى التدخل في الصومال, ثم فرض حصار طويل على ليبيا بسبب قضية لوكربي, والاعتداء على السودان, مرورا بتنامي العمليات الإسرائيلية العسكرية الوحشية في الأراضي العربية المحتلة بفلسطين والتنكر للاتفاقيات المبرمة, ووصولا إلى فرض عقوبات أمريكية على سوريا..

لا شك في أن الأحداث الدولية التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفييتي وما طرحته من تحديات كبرى, دفعت بالعديد من الدول إلى تعزيز إمكانياتها وقدراتها في سبيل صد المخاطر والتحديات الداخلية وتلك التي يفرضها المحيط.

وهكذا اتجهت معظم الدول إلى التكتل ضمن تجمعات إقليمية جديدة أو تفعيل وتقوية تنظيمات كانت قائمة, نحو مزيد من التعاون والتنسيق.

فأزمة الخليج الثانية وأحداث 11 شتنبر والعدوان الصارخ على العراق واحتلاله وما أكده من هشاشة هيئة الأمم المتحدة نسبية دورها في المحافظة على السلم ولأن الدوليين وانفراد الولايات المتحدة بتدبير الشأن الدولي, دفع بمعظم الدول إلى تحصين ذاتها ضد المخاطر المحتملة, سواء من خلال نهج إصلاحات اقتصادية واجتماعية وسياسية..و/أو تعزيز العمل الجماعي في إطار تنظيمات إقليمية متينة.

وإذا

المزيد


العدوان الإسرائيلي على غزة

يناير 5th, 2009 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , مقالات منشورة للباحث

العدوان الإسرائيلي على غزة وخيارا الوحدة والمقاومة

 40504

د.إدريس لكريني*

ما يتعرض له الفلسطينيون في غزة من تقتيل وعدوان صارخ منذ أيام؛ يطرح بحدة مصداقية المؤسسات الدولية بشكل عام؛ وعلى رأسها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على المحك؛ باعتباره المسؤول المفترض عن حفظ السلم والأمن الدوليين.

فهذا الجهاز الذي تحرك بفاعلية وسرعة قياسية في مواجهة الدول والحركات الضعيفة غير ما مرة؛ وكلما اقتضت مصالح الدول الكبرى ذلك؛ وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث اتخذ على سبيل المثال القرار 1368 بعد يوم واحد من وقوع أحداث 11 أيلول/شتنبر الذي منح فيه الضوء لهذه الدولة من أجل اتخاذ التدابير التي تراها مناسبة في إطار الدفاع الشرعي عن النفس؛ لم يستطع إيقاف هذه العمليات العدوانية التي استهدفت الأطفال والنساء والمساجد والمدارس والجامعات.. في غزة؛ رغم التنديدات والاحتجاجات الدولية الواسعة.

لقد حاولت إسرائيل وبتزكية أمريكية أن تروج بأن هذه العمليات تندرج ضمن الحق المشروع الذي تمارسه في سياق الدفاع عن نفسها في مواجهة الصواريخ التي تقصف بها حركة المقاومة حماس مناطق في العمق الإسرائيلي؛ وذلك بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص على أنه: ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول؛ فرادى وجماعات في الدفاع على أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة، وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي….

ويفتقد هذا المبرر لأي شرعية قانونية؛ بل إن السلوك الإسرائيلي كما سنرى؛ هو عدوان ويتنافى بصورة لا لبس فيها مع مضمون وأهداف المادة السابقة؛ ذلك أن الميثاق أطر استعمال هذا الحق(الدفاع الشرعي) بمجموعة من الضوابط والشروط؛ حتى لا يكون ذريعة ومطية لترهيب الدول والاعتداء على الشعوب وتحقيق المصالح الضيقة.

فقد جعله مشروطا بوقوع عدوان مسلح؛ وهو ما لا ينطبق على الأعمال الدفاعية التي تقوم بها المقاومة الفلسطينية في غزة؛ طالما أنها في وضعية رد الاحتلال ومقاومته؛ الأمر الذي أكدته المادة السابعة من توصية الجمعية العامة رقم 3314 المرتبطة بتعريف العدوان والصادرة بتاريخ 14 دجنبر من سنة 1974؛ التي نصت على أن تعريف العدوان لا يمكن أن يمس على أي نحو بما هو مستقى من الميثاق من حق في تقرير المصيروالحرية والاستقلال للشعوب المحرومة من هذا الحق بالقوة..   

وبموجب المادة 51 من الميثاق أيضا؛ فإن استعمال هذا الحق ينبغي أن يتم بشكل احتياطي ومحدود في الزمان والمكان؛ وبعد إبلاغ مجلس الأمن بالأمر؛ حتى يتسنى له التدخل والقيام بما تمليه عليه مهامه في هذا الشأن؛ باعتباره المسؤول الرئيسي عن حفظ السلم والأمن الدوليين؛ ولكي لا يتحول رد الفعل إلى عمل انتقامي، كما ينبغي أن يكون الرد أيضا آنيا ويحمل قدرا من الملاءمة والتناسب مع الفعل ولا يفوقه خطورة.

المزيد


ملاحظات على هامش إصدار تقرير المجلس الأعلى للحسابات

نوفمبر 25th, 2008 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , جديد الباحث, مقالات منشورة للباحث

نشر في جريدة المساء عدد 678 بتاريخ 24-11-2008

ملاحظات على هامش إصدار تقرير المجلس الأعلى للحسابات

831mas

http://74.53.192.83/?artid=16432

د.إدريس لكريني

 رفع المجلس الأعلى للحسابات مؤخرا تقريرا يتضمن مجمل الأعمال التي باشرتها المحاكم المالية سنة 2007 إلى الملك؛ وذلك بموجب الفقرة الثانية من الفصل 97 من الدستور، سواء فيما يتعلق بالتدقيق والبث في الحسابات أو مراقبة استخدام الأموال العمومية ومراقبة اجراءات تنفيذ الميزانية…

وبإلقاء نظرة على هذا التقرير الذي جاء في أكثر من 740 صفحة ونشر بالجريدة الرسمية؛ يتبين أن المجلس عمل من خلاله على الوقوف على عدد من الخروقات القانونية التي طالت تدبير الشأن العام في بعده الوطني والمحلي؛ ومجموعة من الأخطاء التي عرفها تدبير عدد من الأجهزة العمومية..؛ قبل أن يطرح مجموعة من التوصيات والمقترحات الكفيلة بتجاوز هذه الأوضاع والرفع من المردودية تبعا لمقتضيات المادة 75 من مدونة المحاكم المالية.

وإذا كان إصدار التقرير ونشره؛ يمثل في حد ذاته خطوة هامة على طريق تنوير الرأي العام الوطني بصدد متابعة ومراقبة المال العام الذي يرتكز في أحد جوانبه على الضرائب التي يؤديها المواطنون؛ بالشكل الذي يعزز الثقة في القضاء المالي؛ فإنه مع ذلك يطرح مجموعة من الملاحظات المرتبطة بمدى قدرة هذه المؤسسات الدستورية ونجاعتها في إعمال مراقبة فعالة على تدبير الشأن العام واستعمال الأموال العمومية بما يكفل تجاوز الاختلالات التي تشوبها.

 1- عمومية الملخصات

جاءت المعطيات والملاحظات التي حفل بها التقرير بصدد مختلف القضايا والملفات الحيوية؛ عامة ومطبوعة بنوع من المرونة والتحفظ؛ ذلك أنه وخلال وقوفه على العديد من المخالفات والخروقات؛ لم يشر التقرير إلى الجهة أو الجهات المسؤولة عن ارتكابها؛ سواء تعلق الأمر بأشخاص طبيعية أو قانونية، بل اكتفى باستعمال ألفاظ عامة من قبيل المستفيد، الملزم، الشركة المعنية.. الأمر الذي يحول دون تشكل صورة واضحة ودقيقة لدى المواطنين إزاء مرتكبي هذه المخالفات المرتبطة بالتدبير اليومي للشؤون العامة.

والواقع أن إحاطة السلطات المعنية وإطلاع المواطن على معطيات دقيقة وواضحة صادرة عن هيئة قضائية مستقلة؛ وعلاوة على دورها الناجع في بلورة رقابة فعالة على المال العام؛ وفضح المتورطين؛ فإنها تشكل مرجعا مهما وقاعدة يستنير على ضوئها الناخبون لممارسة نوع من الرقابة الشعبية على تدبير شؤونهم المحلية من خلال دعم أو التخلي عن دعم المنتخبين في الجماعات المحلية؛ وبخاصة وأن المغرب على أبواب إجراء الانتخابات الجماعية خلال سنة 2009.

وإذا كان التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات هو الأداة الوحيدة للتواصل مع المواطنين وتنويرهم في هذا السياق عبر نشره في الجريدة الرسمية؛ على خلاف التقارير الخاصة

المزيد


الكوتا وواقع المشاركة النسائية في البرلمان

أكتوبر 13th, 2008 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , مقالات منشورة للباحث

“الكوتا” وواقع المشاركة النسائية في البرلمان

منشور بجريدة المساء؛ المغرب؛ يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2008  

 massae

 إدريس لكريني

يعد اتخاذ تدابير حقيقية وفعالة على طريق تمكين المرأة سياسيا؛ مدخلا مهما لمعالجة إشكالات ومعضلات سياسية واجتماعية واقتصادية.. كبرى، وتعتبر المشاركة السياسية إحدى أهم هذه المداخل؛ نظرا لكونها تتيح المساهمة في تدبير الشأن العام والسياسي على وجه خاص بشكل ديموقراطي.

وإذا كانت هذه المشاركة تجد أساسها ضمن مقتضيات الدساتير المحلية والمواثيق والاتفاقيات الدولية التي تقوم على مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، فإن واقع الممارسة الدولية يبرز أن حضور المرأة في مختلف مراكز القرار الحيوية؛ يظل محدودا ولا يعكس كفاءتها وإمكانياتها..

وأمام ضعف تمثيلية المرأة في المجالس التشريعية والمحلية؛ ابتدعت العديد من الدول منذ عقود خلت تقنية الحصص أو الكوتا كتدبير مرحلي لتحسين مشاركة النساء؛ وفي ظل التطورات التي شهدتها الساحة الدولية على مستوى تعزيز حقوق الإنسان وإقرار الممارسة الديموقراطية؛ تزايد الإقبال على هذا النظام في السنوات الأخيرة.

وقد حظيت مسألة إدماج وتمكين المرأة باهتمام محلي وعالمي واسع، بعدما بدأ المجتمع الدولي يعي حجم التمييز والتهميش الذي يطال المرأة؛ ومدى الانعكاس السلبي لذلك على تطور المجتمعات.

وجاءت العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية لتترجم هذا الاهتمام من قبيل الاتفاقية الخاصة بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة؛ وبرنامج عمل بكين الصادر عن المؤتمر العالمي حول المرأة المنعقد بالصين سنة 1995 والذي صادقت عليه 189 دولة.

كما أن تقرير الأمين العام الأممي لسنة 2003 حول تنفيذ إعلان الألفية التابع للأمم المتحدة؛ أكد من جانبه على ضرورة تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، وجعل الهدف المحدد لعامي 2005 و2015 هو القضاء على التفاوتات بين الجنسين.

وفي السنوات الأخيرة؛ أضحى تمكين المرأة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. أحد أبرز المؤشرات لتقييم مستوى تقدم وتطور الدول ضمن تقارير التنمية البشرية؛ فبلورة شروط الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان وتحقيق التنمية الحقيقية لا يتم دون فتح المجال لمشاركة المرأة.

ورغم الجهود المبذولة في هذا الشأن؛ يكاد يجمع الباحثون والمهتمون على أن تمثيلية المرأة في المجالس التشريعية ومراكز القرار الحيوية على الصعيد العالمي التي تظل في حدود 15 بالمائة؛ لا توازي في تطورها ما حققته المرأة من عطاء وخدمات وما عبرت عنه من كفاءات وإمكانيات في شتى المجالات والميادين.

وإذا كان الواقع الاجتماعي بموروثه الثقافي وتراكماته التاريخية.. إضافة إلى ضعف اهتمام المرأة بالعمل السياسي إجمالا؛ لا يسمح للمرأة بتحقيق المساواة الفعلية؛ رغم عطائها في مختلف المجالات العلمية والعملية؛ ورغم الضوابط القانونية التي تؤكد على حقوقها في هذا الشأن؛ فإن عددا من الدول ابتدعت سبلا وشروطا قانونية مرحلية؛ حاولت من خلالها تجاوز هذه الإكراهات والمعيقات للانتقال من المساواة القانونية الشكلية إلى المساواة الواقعية الفعلية؛ ومن تكافؤ الفرص إلى تكافؤ النتائج.

ويندرج نظام الحصص أو الكوتا ضمن هذا الإطار؛ وهي تقنية تنحو إلى توفير فرص لعدد من الفئات الأقل حظا داخل المجتمعات، من قبيل النساء والسود والاقليات وذوي الاحتياجات الخاصة.. وهي تتنوع بين عدة أصناف: فهناك نظام الحصص المحدث بموجب الدستور؛ ونظام الحصص المحدث بمقتضى القانون الانتخابي؛ وهما معا يسمحان بتنافس النساء على عدد أو نسبة من المقاعد المخصصة؛ ثم نظام الحصص الحزبي الذي يقضي بترشيح نسب محددة من النساء في اللوائح الانتخابية المحلية و/أو البرلمانية؛ ويمكن لهذا الأخير أن يكون اختياريا في سياق توافقي؛ أو إجباريا بموجب نص قانوني.

وقد حظيت هذه التقنية باهتمام ملفت داخل مختلف الأقطار المتقدمة منها والنامية التي ضمنتها في دساتيرها أو قوانينها الانتخابية أو الحزبية؛ وتشير الدراسات والتقارير المرتبطة بهذا الشأن إلى تنامي اللجوء إليها في ظل التطورات التي طالت حقل الديموقراطية وحقوق الإنسان في العقدين الأخيرين؛ على عكس المناصفة الذي يكاد يقتصر تطبيقه على النموذج الفرنسي والقوانين الداخلية لبعض الأحزاب اليسارية في أوربا الغربية، والذي يقضي بالمساواة في التمثيل داخل مختلف المؤسسات ومراكز اتخاذ القرارات بين الجنسين؛ ويعود السبب في ذلك إلى مرونة نظام الحصص(الكوتا) وإلى مراعاته للواقع السوسيو ثقافي للدول التي تعتمده.

وتؤكد الدراسات والأبحاث المرتبطة بهذا الشأن؛ أن أزيد من ثمانين دولة تعتمد هذا النظام على امتداد مناطق مختلفة من العالم؛ في كل من إفريقيا(جنوب إفريقيا؛ إريتيريا؛ غانا؛ السنغال؛ رواندا، بوركينا فاسو..) وأمريكا اللاتينية(الأرجنتين؛ البرازيل؛ المكسيك..) وأوربا(إسبانيا؛ بريطانيا؛ بلجيكا..) وآسيا(بنغلادش، باكستان؛ سريلانكا؛ الفيلبين؛ أندونيسيا..).

وتشير بعض الدراسات إلى أن 15 دولة فقط من بين الدول التي اختارت هذا النظام؛ هي التي استطاعت أن تتجاوز النسبة الحرجة المحددة في 30 بالمائة؛ وهنالك 30 دولة فقط تجاوزت نسبة ال20 بالمائة. وتوجد 45 دولة زادت مشاركة النساء فيها علي 15 بالمائة عن طريق قوائم الأحزاب.

وإذا كانت العديد من المواثيق والاتفاقيات الدولية والدساتير والتشريعات الوطنية قد أكدت على حق المساواة في المشاركة السياسية..؛ فإن الآراء الفقهية بصدد هذه التقنية(الكوتا)؛ تباينت بين متحفظ ومعارض من جهة؛ وبين متحمس ومؤيد لها من جهة ثانية.

 فالاتجاه الأول يعزز مواقفه بمجموعة من المرتكزات والمبررات؛ فهو يرى فيها وسيلة لتجاوز مختلف الحواجز والمعيقات العلني منها والخفي، باتجاه تحسين أوضاع النساء الاقتصادية والاجتماعية..؛ كمدخل للانتقال من الصيغة النظرية لتكافؤ الفرص إلى واقع ملموس ولإنعاش المشاركة السياسية بشكل عام؛ وتجاوز ضعف التمثيلية السياسية للمرأة في البرلمان والمجالس المحلية بشكل خاص؛ ولا يعتبرها رواد هذا الاتجاه تمييزا ضد الرجل بل تعويضا للمرأة عن التمييز السياسي الذي يطالها؛ والذي يجسده ضعف أو انعدام حضورها في المشهد السياسي بشكل عام.

 فيما

المزيد


سبع سنوات على أحداث 11 شتنبر

أكتوبر 2nd, 2008 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , مقالات منشورة للباحث

سبع سنوات على أحداث 11 شتنبر: الإرهاب الدولي والأسئلة المغيّبة

353san

د.إدريس لكريني*

 تصاعدت وتيرة العمليات الإرهابية بشكل مكثف في السنوات الأخيرة، في مختلف المناطق من العالم؛ سواء من حيث مخاطرها وأشكالها أو على مستوى النطاق الذي تتم فيه أو بالنسبة لعدد المنظمات التي تمارسها؛ وإذا كانت معظم الدول قد أجمعت على خطورة هذه الآفة؛ وأكدت على ضرورة مجابهتها؛ فإنها اختلفت في مقاربتها؛ مما جعل هذه العمليات تتزايد بشكل مطرد.

فالظاهرة أصبحت بخطورتها تشكل أولوية كبرى أمام المجتمع الدولي بالنظر للتحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تطرحها.. فبعد أن كانت هذه العمليات تتم وفق أساليب تقليدية(اختطاف الطائرات المدنية أو الأفراد وأخذ الرهائن واحتجازهم؛ إلقاء القنابل وزرع المتفجرات التي لا تحتاج لمهارات..) وتخلف ضحايا وخسائر محدودة في الفئات والمنشآت المستهدفة؛ أصبحت تتم بطرق بالغة الدقة والتطور مستفيدة من التكنولوجيا الحديثة.

وفي أعقاب أحداث 11 شتنبر 2001؛ قادت الولايات المتحدة حملة كبيرة وواسعة النطاق؛ لمواجهة ما تسميه إرهابا؛ سخرت لها إمكانيات سياسية واقتصادية وعسكرية هائلة؛ ضمن مقاربة طغى عليها الطابع الأمني والزجري، ومع حلول الذكرى السابعة لهذه الأحداث؛ يطرح السؤال حول مدى نجاعة وفعالية التدابير المختلفة التي اتخذتها هذه الدولة في هذا الصدد؛ وبخاصة مع تزايد انتشار الظاهرة في مناطق مختلفة من العالم وتفاقم مخاطرها.

إذا كانت أسباب الإرهاب الداخلي الذي يقع في حدود الدولة الواحدة؛ تبدو واضحة في بعض جوانبها؛ بحيث تعود في غالبيتها إلى الانفراد بالسلطة ووجود قوى معارضة خارج السيطرة أو وجود حركات انفصالية؛ وغياب أو ضعف قنوات مؤسساتية لتصريف المطالب؛ وتدني الأحوال الاقتصادية والاجتماعية وضعف التنشئة الاجتماعية والسياسية وغياب أو ضعف القنوات المعنية بهذا الأمر.. فإن الإرهاب الدولي الذي يتجاوز في تداعياته وأطرافه حدود الدولة الواحدة؛ أضحى يثير العديد من الإشكاليات في جانبها المرتبط بالأسباب والنتائج والتداعيات.

وفي هذا السياق؛ حاولت الولايات المتحدة في أعقاب أحداث 11 شتنبر؛ اختزال أسباب الإرهاب في غياب الديموقراطية داخل الدول التي ينتمي إليها الضالعون المفترضون في العمليات؛ وهي في مجملها دول عربية؛ وفي مقابل ذلك يبرز الواقع الدولي أن هناك معضلات سياسية واقتصادية وقانونية.. أخرى لا تخلو من أهمية؛ تلقي بثقلها في هذا الشأن وتظل مسؤولة عن تنامي الظاهرة بشكل ملحوظ.

فالمؤسسات الدولية بمختلف انشغالاتها وأشكالها الحكومية وغير الحكومية؛ العامة والمتخصصة؛ الدولية والإقليمية.. والتي راهن عليها المجتمع الدولي في مراحل تاريخية مبكرة من القرن الماضي عقب تأسيس عصبة الأمم؛ باعتبارها آليات ستسهم في حفظ السلم والأمن الدوليين بشكل وقائي أو علاجي؛ وتحقيق التنسيق والتعاون بين الدول كسبيل لإرساء الاستقرار المنشود، أضحت في واقع الأمر مجرد أدوات تخدم مصالح الأقوياء وعلى رأسهم الولايات المتحدة بفعل تغييب البعد الديموقراطي داخلها وعدم استحضار المصالح الدولية العليا ضمن أولوياتها..

أما المؤسسات الاقتصادية التي تأسست باسم التنسيق الاقتصادي بين الدول ومساعدتها على تجاوز مشاكلها وأزماتها الاقتصادية والمالية العادية والطارئة؛ أصبحت وسيلة للاستغلال الفاحش وتعميق الجروح الاقتصادية للدول الفقيرة؛ عبر إثقالها بالديون والشروط السياسية المجحفة، فالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي طالما قدما قروضا للدول في مقابل فرض سياسات اقتصادية تعسفية تهدف إلى جعل اقتصادها الوطني مهيئا لاختراق الرساميل الأجنبية؛ الأمر نتج عنه تباين صارخ بين شمال غني وجنوب فقير ومتخلف عن التنمية والتطور..

أما المؤسسات السياسية الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة التي أنشئت أساسا لحفظ السلم والأمن الدوليين ولتلافي الحروب التي جرت على الإنسانية دمارا وخرابا كبيرين؛ وبفعل الضغوط التي غالبا ما تمارس عليها من قبل الولايات المتحدة؛ أضحت مؤسسة شكلية تفتقد لكل استقلالية أو مصداقية؛ بل إن قراراتها تأتي في كثير من الأحوال امتدادا للسياسة الخارجية لهذه الدولة وفي مواجهة الدول الضعيفة فقط؛ وأكثر من ذ

المزيد


نظام الغرفتين في السياق المغربي

سبتمبر 2nd, 2008 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , جديد الباحث, مقالات منشورة للباحث

حمل العدد 497 من جريدة المساء الصادرة يوم الخميس 24-04-2008 مقالة للباحث إدريس لكريني تحت عنوان:

parlem 

نظام الغرفتين في السياق المغربي

المزيد


التنوع المجتمعي والممارسة الديموقراطية

يونيو 8th, 2008 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , مقالات منشورة للباحث

121294

التنوع المجتمعي والممارسة الديمقراطية
د.إدريس لكريني

مقالة نشرت بجريدة القدس العربي، لندن يوم 6 يونيو 2008

نسخة من المقال بصيغة البي دي إف
societediversalquds.pdf
يعتبر التعدد العرقي واللغوي والديني والثقافي من الظواهر الانسانية المعهودة التي تتقاسمها العديد من المجتمعات (وجود الأكراد في سورية والعراق وتركيا، النوبيين في السودان ومصر، الطوارق في مالي والنيجر؛ الباسك في اسبانيا، الكروات والسلوفينيين.. في يوغوسلافيا؛ السيخ والأساميين والتيبواس.. في الهند والبربر في شمال افريقيا وفي السودان وفي جزر الكناري وسردينيا وصقلية ومالطة والأندلس)، ففي القارة الافريقية التي يزيد عدد الدول فيها عن الخمسين؛ تتعايش حوالي 2200 اثنية متميزة بلغاتها وثقافتها، وفي آسيا التي تحتضن أكثر من ثلاثة مليارات من البشر؛ يوجد أكثر من 2000 اثنية متباينة في اللغة والدين والعادات والتقاليد؛ وعلي المستوي العالمي هناك حوالي 8000 اثنية و6700 لغة.

وقد أكدت التجارب والممارسات الميدانية أن درجة انصهار وتعايش مختلف هذه الأجناس داخل المجتمع الواحد؛ تظل في جانب مهم منها متوقفة علي طبيعة التعامل الذي تسلكه السلطات السياسية والاجتماعية نحوها؛ فالنأي عن العدالة والحرية والديمقراطية يحرض مختلف المكونات الاجتماعية علي الاختباء خلف الخصوصية والميل نحو الانغلاق عن المحيط العام؛ والبحث عن مشاريع بديلة خاصة بها؛ مما يفضي الي مظاهر من الصراع والاضطراب والتعصب والانقسام؛ فيما التشبث بهذه القيم والمبادئ يكرس الوحدة الوطنية ويدفع نحو التعايش والاندماج.
ان التنوع بشتي مظاهره (الثقافية، الاثنية، الدينية، اللغوية..) يحتمل وجهين: الأول؛ ايجابي وذلك بالنظر للدور الهام الذي يمكن للتعدد أن يسهم به في تحصين وتقوية كيان الدولة؛ اذا كانت تستوعب أهمية هذه التعددية وتكرسها ميدانيا، والثاني؛ سلبي لما يمكن أن يشكله من خطر علي استقرار الدولة ووحدتها، وبخاصة داخل الدول التي تتميز فيها مقاربة هذا الملف بالعقم والانحراف.
فالحيف والتهميش والاقصاء، كل هذه العوامل اذ طالت أحد مكونات المجتمع؛ ستؤدي حتما الي تدهور التضامن الداخلي وتهديد وحدة المجتمع؛ وتتسبب في بروز أزمات اجتماعية وسياسية، وتستثمر أيضا من قبل بعض القوي الخارجية المترصدة، في شكل مؤامرات قد تعصف بالاستقرار الداخلي للدول الضعيفة (برز ذلك بشكل جلي خلال أحداث نيسان (أبريل) 2001 بالجزائر عندما اعتبر وزير الخارجية الفرنسي آنذاك أن فرنسا لا يمكنها أن تظل صامتة بصدد ما يقع من قمع وعنف في الجزائر).
في حين ان الممارسة الديمقراطية واعتماد العدالة بأبعادها السياسية والاجتماعية والثقافية؛ تشكل مدخلا كفيلا بتدبير المشاكل والاختلافات، وضمانة للتعايش المجتمعي والوحدة الوطنية؛ وبتحصين المجتمع ضد أية مؤامرات خارجية.
واذا كانت بعض الدول قد استطاعت أن توفق الي حد كبير في تدبير التعددية الثقافية واللغوية والدينية والعرقية داخل مجتمعاتها؛ مثلما هو الشأن بالنسبة لبلجيكا وفرنسا؛ فان دولا أخري شهدت انفجارا للصراعات العرقية والدينية.. بالشكل الذي عكس قصورا واضحا في تدبير هذا الملف (الاتحاد اليوغوسلافي السابق، رواندا، الصومال)، فيما تحاول دول أخري ايجاد حلول لهذه المسألة من خلال تدابير واجراءات تتباين في مظاهرها وفعاليتها من منطقة الي أخري؛ وبخاصة في ظل التحولات المتسارعة التي شهدتها الساحة الدولية في العقود الأخيرة؛ انتقال مجموعة من القضايا الداخلية الي دائرة الاهتمام الدولي (الديمقراطية؛ حقوق الانسان، تلوث البيئة، الهجرة).
فهذه القضايا وبعد أن ظلت لسنوات طويلة محكومة بطوق أمني صارم وخضعت في العديد من الأحيان لتدابير صارمة باعتبارها شأنا سياديا داخليا يرتبط بقضايا حساسة ، استأثرت باهتمام دولي كبير في العقدين الأخيرين؛ نتيجة للتحولات الكبري التي شهدها العالم (انهيار الاتحاد السوفييتي الذي فرض سياسة صارمة في مواجهة الأقليات والاثنيات)؛ وما تلاه من تدويل لقضايا حقوق الانسان وحرياته؛ حيث أصبحت تحتل مكانة بارزة ضمن خطاب مختلف الفاعلين الدوليين من منظمات حكومية وغير حكومية ودول ورأي عام دولي الي جانب قضايا حيوية أخري؛ ظلت منسية ومهملة بفعل ظروف الحرب الباردة.

وقد كان لهذه التحولات أثر ملحوظ في تز

المزيد


قضية الصحراء ومسار مفاوضات "مانهاست"

أبريل 15th, 2008 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , جديد الباحث, مقالات منشورة للباحث

158pho 

د.إدرس لكريني

نسخة من المقال المنشور بصيغة البي دي إف


النخبة السياسية في المغرب؛ أية رهانات؟

فبراير 10th, 2008 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , مقالات منشورة للباحث

 النخبة السياسية في المغرب؛ أية رهانات؟

د.إدريس لكريني

 مقدمة

تنطوي دراسة النخبة في أي مجتمع على أهمية كبرى باعتبارها تسهم بشكل كبير في فهم وتفسير السلطة السياسية داخل الدولة، فداخل أي مجتمع نجد هناك فئة محدودة حاكمة؛ تحتكر أهم المراكز الاقتصادية والاجتماعية والسياسية..؛ وتلعب أدوارا طلائعية داخل النسق السياسي وتملك سلطات على مستوى اتخاذ القرارات أو التأثير في صياغتها في أقل الأحوال، وأخرى واسعة محكومة ولا تملك نفس الإمكانيات فيما يخص صناعة هذه القرارات.

وهكذا توجد في كل مجتمع من المجتمعات نخبة أتيحت لها إمكانية الاضطلاع بأدوار رئيسية ومهمة في مختلف المجالات.

ويكتسي طرح موضوع النخبة السياسية في المغرب خلال هذه المرحلة أهمية كبرى بالنظر لمظاهر التحول الذي يشهدها المغرب في السنوات الأخيرة؛ والمسؤوليات التي يفترض أن تتحملها هذه النخب على طرق بناء مجتمع ديموقراطي.

أولا- السياق التاريخي

سارت معظم الدراسات التي انصبت على مقاربة موضوع النخبة السياسية في المغرب، في اتجاهين، الأول: أنكر وجود نظرية للنخبة السياسية (عربيا ومغربيا) نظرا لارتباطها بالمفهوم الغربي ومقوماته، سواء في أبعاده التاريخية الماركسية أو الديموقراطية، والثاني: أكد على هذا الوجود؛ سواء بالاعتماد على التاريخ السياسي للمغرب أو من خلال ربط ظهورها بالوجود الاستعماري.

 إن مقاربة موضوع النخبة السياسية في المغرب ينطوي على صعوبات شتى؛ نظرا لتأثرها بمجمل التحولات التي شهدها المغرب من جهة؛ وبمواقف النظام السياسي من جهة ثانية؛ مما يتطلب استحضار مختلف المحطات السياسية الكبرى في تاريخ المغرب الحديث، وكذا السلطات المحورية التي يحظى بها الملك في النسق السياسي والدستوري المغربي، التي لا تترك للنخبة السياسية سوى هامشا ضيقا للتحرك.

وبالعودة إلى تاريخ المغرب نجد أن النخبة السياسية في البلاد كانت تتكون من عنصرين رئيسيين: المخزن والخاصة، وضمن هذا السياق نجد فئة العلماء والشرفاء وشيوخ الزوايا التي تستمد قوتها وشرعيتها من وظائفها الدينية؛ هذا بالإضافة إلى رؤساء الحرف والقياد..

قبل أن تتراجع هذه النخبة بفعل الاحتلال الفرنسي، بعدما عمل هذا الأخير على تهميش إدارة المخزن؛ بالشكل انعكس بالسلب أيضا على أدوار "الخاصة" من علماء وشرفاء وشيوخ وزوايا(1).

وفي ظل هذه الظروف؛ سيطغى الطابع الوطني على هذه النخبة في سياق مواجهة المستعمر، كما ستتعزز الحركة الوطنية بفئات سبق وأن تلقت تكوينا عصريا، الأمر الذي أسهم في تعزيز الوعي ببعض القيم الليبرالية المرتبطة بتقديس الحريات واعتماد أساليب ديموقراطية في تدبير الخلافات السياسية.

ونتيجة لحصول المغرب على استقلاله سنة 1956؛ ستشهد النخبة تطورا ملحوظا؛ بعدما ارتفع عدد موظفي الدولة، وتعزيز هذه الفئة بنخب ثقافية واقتصادية جديدة. 

وهو ما سمح ببروز صنفين من النخب، الأولى: تقليدية؛ حاولت الاستمرار والمحافظة على خصائصها رغم التطورات السياسية والاجتماعية والثقافية المتلاحقة، والثانية: حديثة؛ استفادت من هذه التحولات وبرزت في العقود الأخيرة؛ مما تمخض عنه نوع من الصراع والتنافس بين مختلف الفاعلين السياسيين.

ثانيا- الطريق إلى النخبة السياسية

إن أهم السبل التي تؤدي إلى ولوج عالم النخبة السياسية في المغرب؛ تتلخص في التعيين (النخبة الحكومية والإدارية العليا)، والانتخاب (النخبة البرلمانية). 

فبخصوص اقتحام الأولى؛ يظل الأمر بحسب البعض مرهونا ب"الأصل النبيل" والإمكانيات المالية" والحصول على "الرضا المخزني"، فيما يظل عامل الكفاءة ثانويا، فأن يكون المرء وزيرا في النسق المغربي فذلك يعني مرورا مفترضا عبر عدد من القنوات، ويعني كذلك حيازة أكيدة لعدد من الرساميل المفتوحة على الجاه والأصل النبيل(2)، كما أن المصاهرة تقود أيضا إلى صنع القرار(3).

أما اقتحام الثانية؛ وبالإضافة إلى السبل الانتخابية المشروعة؛ فهو يعتمد في كثير من الحالات على سبل متحايلة، وملتوية وغير شرعية؛ فما

المزيد


أي موقع للعرب في عالم اليوم؟

أكتوبر 24th, 2007 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , مقالات منشورة للباحث

منشورة بالقدس العربي بتاريخ 23-07-2007 والوفاق العربي، لندن يوليوز 2007

بين الأزمات الداخلية والتهافت الخارجي.. أي موقع للعرب في عالم اليوم؟

 

د. ادريس لكريني

في الوقت الذي استوعبت فيه العديد من دول العالم في كل من افريقيا وامريكا اللاتينية وآسيا دروس المرحلة وحجم التحديات التي اصبحت تفرضها التحولات الدولية الراهنة (مخاطر العولمة بكل تجلياتها، اهمية التكتل، الديموقراطية، التربية والتعليم..) وانخرطت بحزم وارادة قويتين في قطع خطوات مهمة وثابتة علي طريق التنمية الشاملة والديموقراطية الحقيقية، تعيش العديد من الاقطار العربية وبحكم الطوق المفروض علي اي اصلاح او تغيير حقيقيين، شبه ركود تعكسه الاكراهات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الداخلية المستمرة، والتي لا تخلو في عمقها من تداعيات دولية خطيرة.. من جهة، وكذا تنامي مظاهر التهافت علي المنطقة العربية في شكل مشاريع اصلاحية ملغومة، او في شكل تدخلات زجرية مقنعة او مباشرة (احتلال العراق وما تمخض عنه من آثار كارثية محليا واقليميا، ازمة دارفور، الازمة السياسية في لبنان..) بالاضافة الي تزايد الصراعات العربية الداخلية، البينية او الاقليمية (مأزق القضية الفلسطينية بصفة خاصة، والصراع العربي ـ الاسرائيلي بصفة عامة، قضية الصحراء في المغرب، الاقتتال في الصومال..).
ولعل الخروج من هذه الوضعية المازومة والبحث عن موقع فاعل في بين الامم، يتطلب ارادة سياسية حقيقية ويفرض اتخاذ مجموعة من التدابير.
اولا: التربية والتعليم

ان الاستثمار في العنصر البشري العربي عبر بوابة التعليم القويم والتربية السليمة للنشء باعتبارهما راسمالا اساسيا لكل مجتمع، وتفعيل قنواتهما باتجاه بلورة تنشئة اجتماعية منسجمة ومتكاملة تقوم علي تنمية شخصية الفرد، اضحي امرا حيويا مفروضا في ظل الاكراهات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وبخاصة وان هذا النشء في مختلف البلدان العربية يجد نفسه محاطا ومطوقا بـ منتجات تربوية عديدة متباينة تصل الي حد التناقض احيانا.
والتربية المنشودة هي تربية من اجل التنمية، وتربية قادرة علي اعداد جيل يرفض الظلم والخنوع والاستبداد، ويستطيع ابداء الراي وطرح الاسئلة الكبري بحرية وطلاقة، ويؤمن بالاختلاف والعمل الجماعي، وكفيلة بتحفيزه علي الابداع والتفاعل والفعل والتطوع والتضحية، انها تربية تنبني ايضا علي الثقة في النفس واحترام حقوق الانسان، تربية حيوية واعية وبعيدة عن الارتجال والعشوائية، تتوخي في ابعادها تربية النشء علي الايمان بالتعددية وروح التسامح والقيم الدينية الاسلامية السمحة والمواطنة والديموقراطية.
ان الاهتمام بجانب التربية يطرح بشكل ملح وجدي في الوقت الحالي اكثر من اي وقت مضي، مع تنامي اكراهات العولمة التي اضحت تهدد قيم وثقافة مجتمعاتنا عبر تكريسها في الغالب لنوع احادي من القيم المادية والتنافسية الاحتكارية، وفي ظل تدفق المعلومات والقيم والافكار المتباينة بشكل حر من خلال قنوات الاتصال المفتوحة التي لا حدود لها ولا رقيب عليها.
وضمن هذا السياق، ينبغي اعطاء الاولوية الكبري لقطاع التعليم والثقافة لعلاقتهما الجدلية والوطيدة مع التنمية بكل مظاهرها، وذلك من خلال رصد اعتمادات مادية وتقنية مهمة في هذا السياق، اسوة بالعديد من البلدان الرائدة والنموذجية في هذا المجال (للاشارة، فانفاق العرب علي البحث العلمي لا يتجاوز 0,2 بالمئة من مجموع الناتج القومي، مقابل 3 بالمئة في اسرائيل..)، فاهمال هذين القطاعين الحيويين يفوت فرصا مهمة علي الدولة وعلي المجتمع برمته في المنطقة العربية، وبخاصة وان المستقبل سوف يعرف سباقا بين التعلم والكارثة كما قال احد المفكرين البريطانيين.

ثانيا: مطلب الاصلاحات الديمقراطية

يتم ربط الديموقراطية في الغالب بتداول السلطة بشكل مشروع وسلمي، واحترام حقوق الانسان ونهج الديموقراطية مع القدرة علي تدبير الاختلاف.. وباعتماد هذا التعريف ومقاربة الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الاقطار العربية، يتبين من الوهلة الاولي ان هذه الدول تعيش ازمة ديموقراطية حقيقية.
فبعد سقوط الاتحاد السوفييتي وما تلاه من نهاية للحرب الباردة، هبت رياح التغيير الديموقراطي لتعصف بمختلف الانظمة التي كانت تسبح في فلك موسكو بدول اوروبا الشرقية، قبل ان تنتقل الي مختلف اقطار العالم بافريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية، وقد كانت الاقطار العربية من ضمن الدول التي دخلت معترك هذه التغيرات بنسب متفاوتة، خصوصا وقد اصبحت قضية الديموقراطية وحقوق الانسان قضية عالمية.
وهكذا بادرت معظم الانظمة العربية الي نهج اصلاحات سياسية باتجاه الديموقراطية وتعزيز وضعية حقوق الانسان العربي، غير ان مجمل هذه التغيرات بدت بطيئة وغير شاملة، ولا تعكس في العمق تطلعات الشعوب، بقدر ما ظهرت وكانها تستهدف تحسين صور وسمعة هذه الدول في الخارج، الامر الذي ولد مجموعة من الاكراهات الاجتم

المزيد


دروس الانتخابات في الصحراء

سبتمبر 20th, 2007 كتبها د.إدريس لكريني نشر في , مقالات منشورة للباحث

دروس الانتخابات التشريعية في الصحراء

د.إدريس لكريني

في الوقت الذي كانت تجري فيه الاستعدادات على قدم وساق لإجراء ثامن انتخابات تشريعية (7 شتنبر 2007) اعتبرها المغرب بمثابة مدخل لتطوير مسلسل الإصلاحات وتعزيز الخيار الديموقراطي، وسعى لتأمين مرورها في جو من النزاهة، وبعد أشهر قليلة من طرحه لمشروع الحكم الذاتي، كمبادرة واقعية تعكس إرادة حقيقية لإخراج القضية من مأزقها وركودها الحاليين؛ وتحاول التوفيق بين طرحين متباينين: الاندماج والانفصال، حاولت جبهة البوليساريو التشويش على هذه الانتخابات من خلال إثارة عدم شرعية إجرائها في المناطق الصحراوية.

فقد طالب محمد عبد العزيز "زعيم" جبهة البوليساريو في رسالة موجهة إلى الأمين العام للأمم المتحدة "بان كي مون" بممارسة مسؤولياته كاملة من أجل منع المغرب من إجراء الانتخابات التشريعية لشهر شتنبر 2007 في الأراضي الصحراوية "المحتلة"؛ باعتبارها تشكل خرقا للقرار 1754 القاضي بإجراء مفاوضات مباشرة بين الطرفين بدون شروط مسبقة؛ وانتهاكا للقانون الدولي.

مؤكدا أن إجراء المغرب للانتخابات في هذه الأقاليم هو "ممارسة استفزازية خطيرة ولا تنسجم إطلاقا مع ما ألح عليه مجلس الأمن الدولي في قراره الأخير 1754 من خلق أجواء حسن النية وصدق الإرادة؛ في أفق تنظيم مفاوضات مباشرة بين الطرفين للتوصل إلى حل يفضي إلى تقرير المصير”·

 وجاء في الرسالة أيضا أن "لسلطات المغربية تعمد إلى إقحام المواطنين الصحراويين، بممارسة مختلف أنواع الضغوط في التصويت في انتخابات تخص بلدا ليس بلدهم، هو المملكة المغربية، في وقت تحرمهم من التصويت لممارسة حقهم الرئيسي الأول، حقهم في تقرير المصير”·

كما أكد من جانب آخر أن ما يقوم به المغرب هو ”خطوة تصعيدية وهروبا إلى الأمام وانتهاكا صارخا للقانون الدولي، ذلك أنه لا يملك السيادة على الصحراء الغربية.."، قبل أن يطلب من الأمين العام للأمم المتحدة ”التدخل لوقف هذه الانتهاكات ضد القانون والشرعية الدولية والقانون الإنساني، والضغط على الحكومة المغربية لتوق

المزيد


التالي